آداب الحوار اللفظية

عمر عبد الله كامل

 

وأعني بـ(آداب الحوار اللفظية) الآداب التي تتعلق بالألفاظ المختارة، والكلمات المنتقاة، والعبارات المناسبة.

فلا بد للمحاور أن يدقق ألفاظه ويراعي كل عبارة يتفوه بها، حتى يستقيم الحوار، ويحقق نتائجه، ويؤتي ثماره.

وأهم الآداب اللفظية:

أولا: الكلمة الطيبة والقول الحسن

لقد أمر الله عز وجل بدعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل: 125).

ومن القول الحسن أيضا: حسن المناداة للطرف الآخر، واختيار أحب الأسماء إليه، وقد تأدب الأنبياء بهذا الأدب في خطابهم لأقوامهم، فقد كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لخصومه المعاندين: (يا قوم) في تودد وسماحة وتذكير بالروابط التي تجمعهم، ليستثير مشاعرهم، ويطمئنهم فيما يدعوهم إليه.

ثانيا: التعريض والتلميح بدلا عن التصريح

إن لفت النظر إلى الأخطاء من طرف خفي، وتجنب اللوم المباشر، وعدم تخطئة الطرف الآخر بعبارة صريحة، كل ذلك له أثره في تسليم الخصم للحق والرجوع عن الخطأ، فالنفوس غالبا لا تتحمل أن تواجه بقوة وصرامة، وهناك من الألفاظ الموحية والكلمات اللطيفة والتي تؤدي الغرض نفسه، دون جرح لمشاعر الآخرين، أو إشعارهم بالذل والهزيمة.

ثالثا: ثناء المحاور على نفسه أو على خصمه بالحق

إن الكلام عن النفس ومدحها والثناء عليها، مذموم غالبا، ولا يحب الناس أن يسمعوا ممن يملأ آذانهم بمناقبه وسيرته وأحواله وتقلباته، بل إن من يفعل ذلك ويفرح به ويكثر منه، يعد ناقصا في عقله، أو ربما فاسدا في نيته وقصده. وكما قال الإمام مالك رحمه الله: (إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه) سير أعلام النبلاء: 8/109

وقد نهى الله عز وجل عن تزكية النفس والتمدح بطهارتها فقال سبحانه «فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى» (النجم: 32)، وعاب أناسا فعلوا ذلك فقال فيهم «ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا» (النساء: 49).

وفي المقابل فإن مدح الآخرين وإطراءهم والثناء عليهم بما ليس فيهم، وتجاوز الحد في ذلك، كل هذا مذموم ممقوت أيضا.

ولكن قد تكون هناك حالات يحتاج فيها المحاور إلى أن يثني على نفسه بالحق، لتحقيق غرض معين، كأن يشعر خصمه بمقدار علمه في موضوع الحوار أو في مسألة من مسائله، أو لينفي عن نفسه تهمة أو طعنا في صدقه وأمانته أو نحو ذلك، فهنا قد يسوغ ذكر شيء من محاسن النفس بقدر وبحق.

وكذا قد يحتاج المحاور إلى أن يثني على الطرف الآخر - بالحق - لتحقيق غرض معين، كأن يكون القصد إشعاره بالتقدير والاحترام، والاعتراف بفضله أو علمه.

رابعا: محاذير لفظية

إن للسان سقطات، وللكلام زلات، والمسلم مأمور بحفظ لسانه، كما أنه مأمور بطيب الكلام، وأن يقول خيرا فيغنم، أو يسكت فيسلم، ويسلم الآخرون منه، وهناك أمور قد يقع فيها اللسان فتورد صاحبها الموارد، وقد تهوي بالحوار وتعطل سيره أو تحوله إلى جدل عقيم، أو تبادل سباب وشتائم، ولذلك ينبغي للمحاور أن يحذرها، فمن هذه المحاذير:

1 - اختيار الألفاظ والمعاني التي تقود إلى الجدل، أو تستثير الفتن والمشكلات.

2 - إظهار التفاصح والتشدق في الكلام، تيها على الغير واستعلاء.

3 - الغيبة: فإن المناظر لا ينفك عن حكاية كلام خصمه ومذمته، فيحكي عنه ما يدل على قصور كلامه وعجزه ونقصان فضله، وهو الغيبة.

4 - الكذب: ربما لا يقدر المناظر على محاورة خصمه، فيلجأ إلى الكذب عليه، فينسبه إلى الجهل والحماقة وقلة الفهم، تغطية لعجزه فيقع في الكذب.

5 - تزكية النفس والثناء عليها بالقوة والغلبة والتقدم على الأقران، كقوله: لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور ونحو ذلك مما يتمدح به على سبيل الادعاء.

6 - الاستئثار بالكلام دون الطرف الآخر، والإطالة الزائدة عن حدها وعدم مراعاة الوقت في أثناء الكلام.

7 - اللوم المباشر عند وضوح خطأ الطرف الآخر، كقوله «أخطأت»، «سأثبت لك أنك مخطئ جاهل»، ونحو ذلك مما يجرح الطرف الآخر.

8 - رفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع، ففي ذلك رعونة وإيذاء.

9 - الهزء والسخرية، وكل ما يشعر باحتقار الطرف الآخر.

10 - استعمال الألفاظ الغريبة، والأساليب الغامضة، والعبارات المحتملة تلبيسا على الطرف الآخر، تمويها للحقيقة.. إلى غير ذلك من المحاذير التي يجب على المحاور أن يبتعد عنها.

المصدر: https://makkahnewspaper.com/article/85872/Makkah/%D8%B9%D9%85%D8%B1-%D8%...

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك