"أطلب العلم ولو بالصين" الإسلام والثقافة الصينية

"أطلب العلم ولو بالصين" الإسلام والثقافة الصينية

لي تشين تشونغ*

1) الإسلام في الصين:

دخل الإسلام إلى الصين في سنة 651 ميلادية حسب الرأي الأرجح عند المؤرخين والعلماء، جاء في الكتاب القديم لعهد تانغ الملكي جزء 4، أنه في اليوم الخامس والعشرين من الشهر الثامن في السنة الثانية من عهد الإمبراطور قاو زونغ (650-684م على العرش) بدأت دولة داشي ترسل سفيرا لتقديم الهدايا إلى جلالته "وهو يوم يقابل اليوم الثاني من شهر محرم سنة 31هجرية وسنة 651م. أي في عهد الخليفة عثمان بن عفان. كان اسم بلاد العرب في الكتب الصينية لعهد سلالة هان (206 قبل الميلاد- سنة 220م) تياو شي (Tiao zi) وصار داشي (Ta zi) في عهد سلالة تانغ (618-907م). وهذا أول تسجيل صيني رسمي للاتصالات الصينية العربية الإسلامية على مستوى السفراء ويعتبر تاريخ دخول الإسلام إلى الصين. وانتشر الإسلام في الصين بصورة سريعة في عهد سلالة تانغ وعهد يوان الحكم المغولي (1271-1368م).

يبلغ عدد المسلمين في الصين اليوم حوالي عشرين مليون نسمة منتشرين في كل أرجاء البلاد، وتكون غالبيتهم العظمى من أهل السنة وعلى المذهب الحنفي، والقليل منهم من الشيعة، وهم سكان الأطراف النائية بحدود شمال غربي الصين المتاخمة لبلاد إيران وأفغانستان، ويظهر التأثير القوي من أفكار المذاهب الصوفية المتعددة في أقاليم شمال غربي الصين حيث تجمعات كبيرة من المسلمين.

المسلمون في الصين قسمان: القسم الأول الأكبر يتكلم اللغة الصينية، وهم المقيمون في المقاطعات الداخلية والسواحل الشرقية الجنوبية في التجمعات الصغيرة (الأحياء) حول المسجد بالمدينة، ويحيطهم السكان الصينيون غير المسلمين: القسم الثاني: يتكلم اللغات التركمانية المتعددة من عدة الاقليات القومية وهم المقيمون على الأراضي الشاسعة من شمال غربي الصين حيث هم السكان الأصليين بها. وبلغت المساجد في الصين حاليا 40 ألف مسجد.

2) الامتزاج الثقافي العربي الصيني:

من المؤكد أن الإسلام دخل الصين عن طريق التجارة ونجد أخبار كثيرة عن النشاطات التجارية العربية في الكتب الصينية الرسمية القديمة إلى جانب القصص والروايات الشعبية، بالإضافة إلى الأخبار الواردة عن ذلك في الكتب العربية التاريخية والجغرافية وكتب الرحلات العربية، حتى قال المثل الصيني القديم: إن الإسلام دخل الصين على ظهر الجمل والسفينة.

كان هناك طريقان للتجارة بين الصين وبين بلاد العرب: طريق بري شمالي يبتدئ شرقا من مدينة تشانغ آن -عاصمة الصين حينذاك- وينتهي غربا عند مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية في هذا الزمن، وطريق بحري جنوبي يبتدئ من موانئ كانتون وتشوانغ تشو على سواحل الصين شرقا. وكانت صادرات الصين إلى بلاد العرب هي: الحرير والشاي والمنسوجات والأواني الصينية... والواردات إلى الصين من بلاد العرب هي: العطور والبخور والأحجار الكريمة والعاج والعقاقير والفواكه المجففة والمكسرات... لذلك سمي الطريق التجاري بطريق الحرير أو طريق العطور أيضا.

كانت تتميز هذه النشاطات التجارية بما يلي:

أ- كان عدد التجار العرب كبيرا

جاء في "كتاب عبر التاريخ" جزء 232ما مفاده أَنَّه "في سنة 788م كان عدد كبير من الأجانب قد نزلوا في قصر ضيافة الإمبراطور، وَلَـمَّا طالت إقامتهم وعجزوا عن العودة إلى ديارهم بعد إغلاق الطريق التجاري بسبب الغزوات المستمرة عليه من قبائل التيبت. وطالت إقامة بعضهم إلى 40 سنة، وكثير منهم تزوجوا النساء الصينيات ولهم البيوت والأراضي خارج الضيافة. وبعد التحقيق والاستقصاء أصدر الوزير المختص لي مي (Li Mi 722-789) تعليمات بنقل من لهم البيوت عن قصر الضيافة وتعيين من ليس لهم البيوت بالخارج في الوظائف المختلفة حسب كفاءاتهم، كخدم في قصور الأمراء أو مجندين بالجيش الصيني. ولم يبق في قصر الضيافة بعد ذلك إِلاَّ بضعة عشر فقط، ووفر ذلك نصف مليون مين (عملة صينية قديمة) من نفقات الضيافة سنويا".

جاء في الكتاب القديم لعهد تانغ الملكي (Ju Tang Shu) جزء 131 عن سيرة الحكام لي ميان (Li Mian) "أن السيد لي ميان حاكم نزيه عادل لما عين حاكما على كانتون وجنوب الصين كانت السفن التجارية القادمة من البحر لا تزيد عن 50 سفينة سنويا. وفي آخر سنة من حكمه زادت إلى أربعة آلاف سفينة بحرية سنويا؛ لأَنَّ الحاكم (لي ميان) لا يفرض الضريبة ولا التفتيش عليها وكان تعيينه في سنة 770م" جاء في الكتاب الجديد لعهد تانغ الملكي "(Xin Tang Shu) جزء 144 عن سيرة تيان تشين قونغ" أَنَّهُ في سنة 756م قامت الفتنة في مدينة يانغ تشو قتل كثير من الأهالي، بينهم التجار الفرس والعرب وبلغ عدد القتلى منهم عدة آلاف. "معنى ذلك أن عدد الجاليات العرب بالمدينة كان كبيرا.

جاء في كتاب "سلسلة التواريخ" للمؤرخ العربي أبو زيد حسن السيرافي الذي عاش في القرن 9، على لسان سليمان التاجر أن مدينة كانتون مدينة تجارية مزدهرة، وفيها تجمعات ضخمة من التجار العرب.

وكانت حكومة الصين تفرض على الجاليات في المدينة دفع الجزية، لذلك يمكن معرفة عددهم بصورة صحيحة، وقد بلغ العدد مائة وعشرين ألف من المسلمين واليهود والنصارى".

في كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر" للمؤرخ العربي علي بن الحسين المسعودي (ت: 956م) أن قائد الثوار الصيني هوانغ تساو (Huang Chao) عندما دخل مدينة كانتون سنة 879م، أباح المدينة فبلغ عدد الضحايا من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس مائتي ألف ضحية".

قد تختلف الروايات التي لا تخلو من المبالغات ولكنها تعطينا فكرة عن العدد الكبير للتجار العرب في الصين زمن حكم سلالة تانغ (618-907م).

ب- الثراء الواسع للتجار العرب في الصين

ظهر من بين التجار العرب عدد كبير من الأثرياء الذين كانوا يتمتعون بالشهرة الواسعة في البلاد حتى عينوا في المناصب المرموقة ونأتي بأمثلة منهم حسب ما وارد في الوثائق الصينية الرسمية:

- البوشمي (صوت) الذي قدم في سنة 993م هدايا إلى إمبراطور الصين تاي زونغ (976-998م على العرش) من عهد سونغ (960-1289م) 50 نابا كاملا من العاج ألف كيلوجرام من البخور الراقية ومائة زجاجة من العطور الممتازة وأربعة كيلوجرام من سبائك الفضة والنحاس.. وفي سنة 995م قدم ابنه باسمة هدايا إلى إمبراطور الصين تفوق هدايا أبيه ونستطيع من قوائم الهدايا أن نعرف مدى ثرائه.

- السنغاتور (صوت) من الأصل العماني الصحاري الذي أقام في مدينة كانتون عشرات سنين وله ثروة بلغت عدة ملايين مين (عملة صينية قديمة).

- البويارى (صوت) وصل إلى اليمن قبل سنة 1131م، وتزوج إحدى أخوات الحاكم الصيني بالإقليم وجاء في أحد التقارير أنه أحضر من بلاده ذات مرة 209 أنياب كاملة من العاج و35 قرنا من وحيد القرن (كركدن) ويزيد وزن كل ناب من العاج عن ثلاثين كيلوجرام واختار القصر الملكي منها 100 وحدة عاج و35 وحدة قرن للاستعمال الخاص.

ج- كان التجار العرب يحتلون الترتيب الأول من بين التجار الأجانب في الصين من حيث حجم التجارة والثروة، وكان أباطرة الصين يستعينون بهم لجلب الاستثمارات الأجنبية إلى الصين. وكانت تجارة الصين الخارجية تتركز في العاصمة الغربية (مدينة ثيآن حاليا والعاصمة الشرقية مدينة لووا يانغ حاليا) وكانتون بـ(قواتغتنو حاليا) ومدينة الزيتون (تشيوا نتشو حاليا) ومدينة مينتشو (نينغبو حاليا) وهانغتشو ويانغتشو.... وأكثرها مدن السواحل أو على شواطئ نهر اليانغتسي وكان الطريق التجاري البحري قد رجحت كفته لأنه الطريق الأسهل والأرخص تكلفه والأكبر حمولة والأكثر أمنا.

د- يترتب على ما ذكر أمران كبيران لم يكونا في حسبان هؤلاء التجار من العرب المسلمين: أولهما: نشر الدين الإسلامي، والثاني: امتزاج الثقافة العربية والثقافة الصينية. كان التجار المسلمون يتجمعون في إحياء خاصة بهم في هذه المدن ولهم نظام إداري خاص بمعرفة حكومة الصين التي تختار من بينهم الرجل الصالح لتعيينه رئيسا عليهم، يتولى شؤون الرقابة والقضاء والأمن داخل الحي، ويساعد الحكومة على جني الضرائب من التجار والتي كانت تشكل إيرادا كبيرا لخزينة الصين. وكان التجار المسلمون يبنون المساجد فِي أحياء سكنهم لأداء فرائض الدين والعقيدة. وأقدم مساجد بنيت في الصين هي مسجد هواي تشينغ (مسجد الشوق إلى النبي) في مدينة كانتون (قوانغتشو) ومسجد شينغ جينغ (مسجد الصفاء والطهارة) في مدينة الزيتون (يشيوانتشو) ومسجد شيان خه (مسجد الكركي الملاك) في مدينة يانغ تشو ومسجد جين جياو (مسجد الدين الحنيف) في مدينة هانغتو.

هـ- كان هؤلاء المسلمون يتكلمون اللغة العربية في البيوت وفي أداء الفرائض الدينية، ويتحدثون اللغة الصينية في الأسواق والمناسبات الرسمية، وأولادهم يدرسون اللغة العربية وعلومها في البيت، ويدرسون اللغة الصينية وعلومها في المدرسة، وأصبحوا هم الأوائل من المسلمين الصينيين الذين مزجوا الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الصينية التقليدية دون وعي منهم. وتوسعت هذه الظاهرة توسعا كبيرا بعد غزو المغول للعالم وجلوسهم على عرش الصين.

و- كان للزحف المغولي على غرب آسيا والقضاء على الخلافة العباسية (الحكم الخوارزمي) وسقوط بغداد سنة 1258م أثر كبير على البلاد العربية والإسلامية، وكذلك له أثر كبير على بلاد الصين. إذ واصل المغول بعد ذلك زحفهم على الصين واحتلوا النصف الشمالي منه، وأطلق الملك المغولي قبلاي خان اسم "يوان" على سلالة حكمه سنة 1271م تماشيا مع تقاليد الصينيين في تسمية سلالات حكمهم. واتخذ قبلاي خان بكين عاصمة لمملكته سنة 1279م بعد توحيد الصين كلها. وأثناء العمليات الحربية لتوحيد الصين جلب المغول أعداداً كبيرة من مسلمي آسيا الوسطى وبلاد العرب لمساندة غزواتهم، وبعد انتهاء العمليات الحربية في الصين استقرت جيوش المسلمين في المواقع المحددة لهم في الأقاليم الداخلية بالصين وعين البارزون منهم في المناصب الهامة للدولة والإقليم، ونظم أصحاب الحرف في المنشآت الصناعية والفنية الخاصة بهم. "وخلال ثمانين سنة من حكم المغول للصين شغل ثمانية وأربعون مسلما صينيا المناصب الهامة في الدولة بين الوزير والحاكم الإقليمي"(وثائق تاريخ الإسلام في الصين، ص180) أما في الحكومات الإقليمية فكان هناك عدد أكبر من المسلمين شغلوا مناصب مختلفة قيل: إِنَّهُم بلغوا من خمس العدد الكلي للموظفين إلى ثلث عددهم في بعض المناطق، وبدأ التفاعل الحقيقي بين الثقافة الصينية التقليدية والثقافة العربية الإسلامية، وصارت على أرض الصين الشاسعة قومية إسلامية- هوى هوى. لغتهم اليومية العملية هي اللغة الصينية، وثقافتهم البيئية العربية –لغة القرآن الكريم- وعلومها وثقافتها، وكان عليهم وعلى من بعدهم من الأجيال اللاحقة مهمة دراسة اللغة الصينية وعلومها وثقافتها للعلم والمعيشة "الحياة الدنياوية"، ودراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية لأداء الفرائض والعبادات والمعاملات "الحياة الروحانية"، وصاروا هم حملة الثقافتين العربية الصينية ورمز امتزاجهما، وهي مهمة ليست سهلة أو بسيطة بل كانت صعبة وشاقة خصوصاً عندما تأتي التيارات غير المواتية فيعاني منها المسلمون الصينيون معاناة فوق الوصف، ولكننا نجد أنهم جاهدوا واجتهدوا في هذا السبيل دون كلل وملل.

3) نقل العلوم الفلكية العربية الإسلامية إلى الصين:

أ- بناء على ما ورد في كتاب الأنساب لعائلة "ما" الإسلامية في مدينة "آن تشنيغ" الصينية أن الجد الأَوَّل للعائلة اسمه "ما يى زى" وأصله من العرب وموطنه قريب من مكة المكرمة ووصل إلى الصين في سنة 961م في عهد سلالة سونغ (960- 1279م)، وكانت العاصمة مدينة بيان ليانغ (مدينة كاى فينغ حاليا) ودعي ما إلى مشاركة وضع كتاب التقاويم وساهم فيه مساهمة عظيمة وأنجزه بعد سنتين ورفعه إلى إمبراطور الصين سونغ شاي زونغ الذي أجاز الكتاب ومنح السيد ما يى زي لقب الشرف، وعينه رقيبا للمرصاد الفلكي الملكي (كتاب الإسلام والحضارة الصينية، ص158). ويعتبر السيد ما يى زى أول عالم فلكي عربي أسهم في وضع التقاويم الصينية، وأما دعوته إلى المشاركة في هذا العمل الفلكي الكبير فترجع إلى سببين في نظر العلماء: الأَوَّل: يختلف النظام الفلكي العربي الإسلامي عن النظام الفلكي الصيني وللنظام العربي مزايا علمية متقدمة في بعض الميادين، والثاني: انتشار المسلمين في الصين في هذا العهد ونقل السيد ما يى زى فعلا العلوم الفلكية العربية المتقدمة إلى الصين، منها النظام الأسبوعي الذي يحدد على أساسه صلاة الجمعة، وكان الصينيون يتبعون النظام العشري لتحديد يوم العطلة، وأدخل كذلك طريق حساب مواعيد الاثنى عشر برجا ومواقعها بالنسبة إلى المدار المفترض للشمس (الدائرة الظاهرية لمسير الشمس ecliptie)، وهو جديد على العلم الفلكي الصيني الذي يختلف عنه في طريق حساب ذلك. وكان للعرب كفاءات كبيرة في حساب ذلك لخبراتهم في علم التنجيم على أساس البروج الاثنى عشر. وأدخل كذلك طريق العرب في حساب مدارات النجوم الخمسة ومواعيد كسوف الشمس وخسوف القمر. وللنجوم الخمسة أهمية خاصة عند الصينيين إذ تمثل في نظرهم العناصر الخمسة والجهات الخمس المشترى يمثل عنصر النار وجهة الجنوب وعطارد يمثل عنصر الماء وجهة الشمال، وزحل يمثل عنصر التراب وجهة المركز. وعلى أساس العناصر الخمسة والجهات الخمس يكون علم التنجيم الصيني.

ولد السيد ما يى زى في سنة 921 ميلادية في بلاد العرب وتوفي سنة 1005ميلادية على أرض الصين، وخلفه أولاده الثلاثة وظيفته في المرصاد الفلكي الملكي الصيني.

2- جاء في "تاريخ عهد يوان" جزء "أصحاب الوظائف" أن الإمبراطور شي زونغ قبل أن يجلس على العرش استدعى العالم الفلكي المسلم جمال الدين وغيره لتقديم كفاءاتهم وخبراتهم العلمية. الإمبراطور شي زونغ هو قبلاي خان 1214-1294م مؤسس عهد سلالة يوان المغولي في الصين. ووصل جمال الدين إلى الصين قبل سنة 1260م، وكان قد أسهم في تأسيس المرصاد الفلكي في مدينة مراغة الإيرانية. وكان نصير الدين محمد الطوسي العالم الفلكي الرياضي الشهير 1200-1273م في مراغة للإشراف على إنشاء المرصاد الفلكي بالأمر من هولاكو الفاتح المغولي، ومؤسس دولة المغول الإيلخانية في إيران. وأغلب الظن أن جمال الدين هو أحد زملاء الطوسي في هذا العمل، وكان هولاكو هو الذي أرسل جمال الدين وغيره من العلماء إلى الصين بدعوة من قبلاي خان الذي طلب من جمال الدين وضع التقويم الفلكي الإسلامي لنشره في الصين، وإفادة المسلمين الصينيين في متابعة حياتهم الدينية على أساسه، وأنجزه جمال الدين في سنة 1267م، ورفعه إلى قبلاي خان الذي أجازه ونشره رسميا باسم "وان نيان لي" أي "تقاويم عشر آلاف سنة" وأدخل جمال الدين في كتابه نظام التقسيم الفلكي الإسلامي العربي الذين أساسه 12 برجا (Constellation) و360 درجة بدلا من نظام الـ 28 منزلا الذي كان الصينيون يتبعونه في وضع تقاويمهم. منازل القمر الثماني والعشرون (mansions) هي مداراته التي يدور فيها حول الأرض. وكان طريق جمال الدين في حساب كشوف الشمس وخسوف القمر يختلف عن الطريق المتبع لدى الصينيين أيضا ولكن النتيجة واحدة.

قدم جمال الدين إلى الإمبراطور في نفس السنة سبعة أجهزة فلكية من تصنيعه واختراعه وتعتبر مساهمة كبيرة، وإضافة ثمينة إلى المرصاد الفلكي الصيني من المرصاد العربي الإسلامي. وعلى أثر ذلك أمر قبلاي خان بإقامة مرصاد فلكي إٍسلامي في الصين، وعين جمال الدين رقيبا "مديرا" له، وتم إنشاء المرصاد سنة 1271م في عاصمة المغول الأولى "داخل مغوليا الداخلية الصينية حاليا"، وتولى جمال الدين إدارته وواصل أبحاثه في العلم الفلكي على أرض الصين التي تختلف عن بلاد العرب في مجال الجغرافيا الفلكية، وكان يعاونه في ذلك كمال الدين وشمس الدين من العلماء المسلمين. وفي سنة 1285م قدم جمال الدين اقتراحا إلى حكومة الصين لوضع خرائط الصين الموحدة وقبل الاقتراح بالترحاب فتولى مهمة الإشراف على عملية رسم خرائط الصين بأمر قبلاي خان سنة 1286م، وأدخل طريق العرب في رسم الخرائط إلى الصين وأنجز في سنة 1291م 755 جزءا من الخرائط، التي بلغت في النهاية 1310 جزءا تشتمل إلى جانب الرسوم، الوثائق والمعلومات التاريخية والجغرافية للإقليم وتقاليد السكان وعاداتهم، وكان إنجازهم عملا كبيرا وشاقا خصوصا إذا عرفت أن أراضي المملكة المغولية كانت شاسعة وواسعة طولا وعرضا. وهذا آخر عمل قام به جمال الدين وسجل في الكتابات الصينية الرسمية، وما زال تاريخ ميلاده ووفاته مجهولين.

ج- حسب ما ورد في كتاب الأنساب لعائلة "ما" بمدينة نانجينغ أن الجد الأول للعائلة اسمه دار الدين أصله من العرب، مسلم وعالم فلكي ورياضي، وصل إلى الصين سنة 1369 ميلادية ومعه أولاده الثلاثة واسم الولد الأول "الشيخ" واسم الثاني "حماد" واسم الثالث "حسن". والموطن الأول للعائلة إقليم جدة جنوبي مكة بستين كيلو مترا، من آل قريش ينتمي إلى الدين الحنيف. (كتاب الإسلام والحضارة الصينية صفحة 190). وأن الولد الأول "الشيخ" تزوج أميرة من بنات الإمبراطور مينغ تاى زونغ 1368-1399م على العرش مؤسس عهد سلالة مينغ من سنة 1368 إلى 1644م، ومنحه الإمبراطور "مـا" اسما للعائلة، وصار اسمه "ما الشيخ" (الأسماء الصينية أن يكون اسم العائلة في أولها عكس الأسماء العربية التي يكون اسم العائلة أو القبيلة في آخرتها)، وكان "مـا" اسم عائلة الإمبراطورة التي قيل أن اسمها الكامل "ما لا مي" (Mala mei) وكان ذلك شرفا كبيرا للممنوح. وكان "ما دار الدين" وأولاده الثلاثة "ما الشيخ" و "ما حمار" و"وما حسين" قد اشتركوا في ترجمة وتأليف التقاويم الإسلامية الجديدة وسموها "هوى هوى لي فا" (نظام التقاويم للمسلمين) الذي اشتمل أربعة أقسام: القسم الأول، التقويم الشمسي والثاني، التقويم القمري والثالث، حساب مسيرة النجوم الخمسة والشمس والقمر في مداراتها والرابع، التنبؤات لمواعيد كسوف الشمس وخسوف القمر. القسمان الأخيران هما الأهم من الناحية العلمية. وكانت هذه التقاويم تمثل أعلى مستوى علمي وصل إليه العلماء الصينيون والعرب في العلم الفلكي حينذاك. "وكانت نتيجة الحساب في السنة المدارية للشمس السنة الشمسية Tropicalyar في "نظام التقاويم للمسلمين" أدق بكثير من التقاويم الصينية التقليدية القديمة، وكذلك أرقام القياس لأقصى المدار الشمسي عن الأرض، وتدرج الاقتراب منها ليست موجودة في التقاويم الصينية التقليدية. وتتميز التقاويم للمسلمين بالدقة البالغة أيضا في تحديد دورة اجتماع النجوم الخمسة وفي تحديد أقصى مداراتها عن الشمس وتدرج الاقتراب منها. لذلك نستطيع القول إن نظام التقاويم للمسلمين يمثل أعلى مستوى علمي فلكي وصل إليه العلام في القرن الـ 14 في بداية عهد سلالة مينغ. وهو مز العلم الفلكي العربي الإسلامي والعلم الفلكي الصيني التقليدي وكان إنجازه على أرض الصين (كتاب دراسات في تاريخ العلم الفلكي عند مسلمي الصين، هوى هوى، ص117، تأليف الدكتور تشين جيو جينغ).

"ونقل ما دار الدين وأولاده إلى الصين أسماء 20 من النجوم و30 من الثوابت مع درجاتها ومداراتها ومعنى ذلك أن فكر درجات النجوم عند الأوروبيين وصل إلى الصين لأول مرة". (المصدر السابق، ص121) وتوفي ما دار الدين سنة 1374م فواصل أولاده الثلاثة عمله الفلكي، وكانوا يتنقلون بين المناصب الفلكية الصينية، ثم تفرقوا وانتشر أخلافهم في أرجاء الصين اليوم.

د- بي لين (Bei Lin) العالم الفلكي الصيني في القرن الـ 15 ميلادي، مؤلف كتاب "خطوات الحساب في الفلك" (Qi zheng Tui bu) الذي يعتبر إحياء لكتاب "نظام التقاويم للمسلمين" وتكملة له. جاء في مقدمة "كتاب خطوات الحساب في الفلك" يصف كتاب "نظام التقاويم للمسلمين" بأنه: "كتاب ليس له وجود من قبل". وفي سنة 1379م في بداية عهد سلالة مينغ وصل إلى الصين الأجانب من بعيد، وقدموا طريق الحساب الرملي في تحديد مسيرة الشمس والقمر والنجوم وسموها خطوط الطول والعرض، وترجم الكتاب إلى الصينية ووزع في الصين، ولكن الكتاب يواجه خطر الزوال بسبب مرور الزمن الطويل عليه، وكنت نائبا للرقيب فرفعت تقريرا إلى العليا مقترح أحيائه وتكملته. وبموافقة العليا أنجزت المهمة بعد سبع سنوات. "ويقع كتاب" خطوات الحساب في الفلك في سبعة أجزاء ومحتوياته ومحتويات كتاب "نظام التقاويم للمسلمين" متفقة تماما. ويعتبر الكتاب الأول إحياء للكتاب الثاني وتكملة له فعلا، وطبع الكتاب في آن واحد مِـمَّا يساعد الكتاب الثاني على البقاء حتى اليوم، والفضل في ذلك يرجع إِلَى عمل وجهد العالم الفلكي الكبير بي لين في وضع وتأليف كتابه الجديد، وزاد فيه معلومات جديدة وهامة، منها شروح لما ذكر مبهما في كتاب "نظام التقاويم للمسلمين" من النجوم والبروج، وأضاف عشرة جداول للحساب السريع إلى الجداول الـ29 الموجودة في كتاب النظام الأصلي. وأورد كذلك قائمة الأسماء الصينية والأجنبية لـ277 من النجوم الثوابت، مع ذكر خطوط الطول والعرض لها ودرجاتها. وهي المحاولة الأولى في وضع أسماء النجوم الثوابت في اللغة الأجنبية مقابل أسمائها في اللغة الصينية وقد لعب الكتابان دورا إيجابيا في دفع التبادل العلمي بين الصين وبين بلاد العرب وبلاد الغرب أيضا في مجال العلم الفلكي. وكان إنجاز كتاب "نظام التقاويم للمسلمين" في سنة 1385 ميلادية وإنجاز كتاب "خطوات الحساب في الفلك" في سنة 1477م، ويكون الفرق الزمني بين الكتابين أكثر من تسعين سنة. (دراسات في تاريخ العلم الفلكي لمسلمي الصين).

مِـمَّا هو الجدير بالذكر هنا أن العلماء الكوريين نقلوا العلم الفلكي العربي الإسلامي إلى كوريا في القرون الوسطى عن طريق الصين. جاء في كتب "سجلات الوقائع في عهد سلالة لي" الكورية جزء كتاب "الحسابات الفلكية Qizheng Suan Wei" أن مؤلفي الكتاب هما: لي تسون تسي (صوت) وجين دجان، قد درسا العلم الفلكي في الصين في فترة ما بين سنة 1420- 1432ميلادية وطالعا كتاب "نظام التقاويم للمسلمين" وقاما بمراجعة الكتاب وتحقيقه، واستمدا منه المواد الاساسية لكتابهما الجديد. والكتابان متفقان في المحتويات تماما، واختلفا فقط في الترتيب للمواد والجداول الحسابية، ويبدو أن ترتيب المواد في الكتاب الكوري أبسط وأوضح وأسهل للحفظ. (دراسات في تاريخ العلم الفلكي لمسلمي الصين، ص134-139).

الأجهزة الستَّة التي قدمها جمال الدين إلى المرصد الصيني:

الجهاز الأول: ذات حلق (Dhatu Halag) مكون من عدة حلقات عليها درجات لتحديد مواقع البروج ودرجاتها. والحلقات مصنوعة من النحاس.

الجهاز الثاني: ذات ثبات (Dhatu Shubat) مكون من ثلاث مساطر نحاسية على إحداها درجات لتحديد درجات الزوايا والمسافات بين الأجرام السماوية. المسطرة الأولى ثابتة طولها متران ونصف المتر، والثانية والثالثة متحركتان طول كل منهما 185سم، والجهاز أشبه بالمسطر البطليموسي القديم.

الجهاز الثالث: رخام معوج (Ruham-imuwaji) مكون من رخام سطحه العلوي مائل مركب عليه مسطر نصف دائري عليه 180 درجة لتحديد موعد اعتدال الربيع والخريف.

الجهاز الرابع: رخام مستوي (Ruham-imutawi) مكون من بيت ارتفاعه أربعة أمتار مع حفر طولي على أرض البيت وفتحة صغيرة على سطح البيت ويعلق على حائط البيت لوح نحاسي نصف دائري ويركب في مركزه إبرة متحركة لتحديد الانقلاب الصيفي والشتوي.

1- نصف دائري عليه درجات.

2- أنبوب مثقب.

3- إبرة متحركة.

الجهاز الخامس: كرة السماء (Kura-I-sama) مكون من كرة عليها مواقع الأبراج، وحولها عدة حلقات نحاسية مكتوب عليها درجات لقياس مواقع الأجرام السماوية. (1- القطب الشمالي، 2- خط الاستواء، 3- مدار الشمس الظاهري، 4- خط الزوال، 5- خط الأفق، 6- قرص الساعات، 7- سمت الرأس).

الجهاز السادس: إسطرلاب (artrolabe) مكون من دائرة نحاسية وعقربين لقياس ارتفاع الشمس والنجوم وتحديد الليل والنهار. (1- سمت الرأس، 2- مدار الشمس الظاهري، 3-إبرة، 4- خط الأفق، 5- حلقة الساعات، 6-خط الاستواء، 7-خط المناسيب، 8- خط الدائرة الرأسية، 9- إشارات النجوم، 10-القطب الشمالي).

4) نقل العلوم الطبية العربية الإسلامية إلى الصين

أ- نجد في "كراسات الأسرار والعجائب" Yau Yang Zu للعالم الشاعر الصيني دان تشينغ تشي Duan Cheng Shi 802-863م، في عهد سلالة تانغ 618-907م، أسماء النباتات من بلاد العرب والفرس وهي تستعمل للأغراض الطبية وسجل تحت هذه الأسماء أوصافها والأمراض التي تعالجها، وكان والد الشاعر كبير الوزراء في البلاط يستقبل الوفود الأجنبية دائما، وأتاح ذلك الفرصة للشاعر أن يستفسر الضيوف العرب والفرس ويجمع المعلومات قبل أن يسجلها، وكان تسجيله دقيقا وصحيحا، وهناك كتاب بعنوان النباتات الطبية الواردة Hai Yao Ben Cao للعالم الشاعر لي شون Li Xun 855-930 من الأصل الفارسي، وعاشت عائلته في الصين عدة أجيال، وأجداده التجار العطارون، ولهم خبرات بالعقاقير العربية والفارسية، وكذلك لهم معرفة تامة باللغة الصينية والثقافة الصينية، وكانت أخت لي شون زوجة أحد الأمراء بإقليم سيتشوان، وللعائلة سمعة طيبة واسعة بالمنطقة، وقد سجل لي شون في كتابه أكثر من مائة نوع من العقاقير الطبية الواردة من بلاد العرب والفرس، وأكثرها عطور وصموغ مثل عطر الورد والصمغ العربي وصمغ اللك وصمغ الكثيراء. مع تحديد مواطن إنتاجها وزراعتها وتحديد أوصافها والأمراض التي تعالجها. ومع ازدهار التجارة الصينية العربية وردت إلى الصين أنواع كثيرة من الأدوية العربية عن الطريق البري والبحري مثل إهليلج كابلي واللبان "الكندر" والمسك والصبار والمرّ والكامون والزئبق والعقيق واللفاح "تفاحة الجن" والبيش "خانق الذئب" ودم الأخوين "دم الغزال، دم التنين" وعود عطر وجوز الطيب "جوز بوا" وبسابسة القرنفل والفلفل الأسود والزنجبيل والكافور والخروع والباذنجان واليانسون. و"كتاب النباتات الطبية الواردة" دليل على ذلك.

ب- كان الشكل الأساسي للأدوية الصينية هو الشراب، من السائل المزيج من العقاقير المختلفة بعد نقعها في الماء وغليها على النار. ولم يكن هذا الشكل مناسبا للأدوية العربية التي كان أكثرها من العطور والصموغ، وهي تذوب بسرعة في الماء وتتبخر وتذهب فاعليتها الطبية. وكان العطارون والأطباء العرب والفرس يعملون منها في أشكال الأقراص والمساحيق والمعاجين والحبات بدلا من سائل الشراب، وأصبحت فيما بعد هي الأشكال التقليدية للأدوية الصينية.

كان الطب الصيني القديم هو الطب العام، لا يتميز بتقسيمات واضحة، وحدث تقسيم الأمراض في مستشفى البلاط في سنة 1078- 1085م إلى تسعة أقسام هي: الباطنية والأعصاب والأطفال والعيون والأورام والولادة والأسنان والحلق والجراحة والوخز بالإبرة. وأغلب الظن أَنَّهُ تأثر في ذلك بالطب العربي الإسلامي الذي نقل نظام التقسيم الطبي اليوناني القديم عند بقراط سنة 460-377 قبل الميلاد، إلى بلاد العرب ثم إلى الصين.

ج- في المكتبة الوطنية الصينية ببكين، قسم الكتب القديمة، أجزاء متبقية من كتاب "وصفات هوى هوى" وصفات مسلمي الصين الطبية Hui Hiu Yao Fang الذي يقع في 36 جزءا وبقيت منها أربعة أجزاء فقط بالمكتبة وهي جزء ثان من الفهارس وجزء 12 وجزء 30 وجزء 34، ومؤلفه وتاريخ تأليفه مجهولان. والأجزاء الأربعة الباقية تقع في 485 صفحة بما يقرب من 200 ألف كلمة صينية وأختلف العلماء والباحثون في تاريخ تأليفه والأرجح أن يكون في النصف الثاني من القرن الـ 14 الميلادي، أي في أواخر عهد يوان المغولي وأوائل عهد مينغ. وفي الكتاب أسماء الأمراض وأوصافها وأسماء الأدوية والوصفات مترجمة صوتيا من اللغات الأجنبية إلى اللغة الصينية وأكثرها من اللغة العربية وبالتالي اللغة الفارسية ثم اليونانية القديمة والقليل منها باللغة الآرامية والتركمانية.

حيث لا نستطيع أن نفهمها اليوم إلا بعد أن نرجعها إلى أصلها العربي أو الفارسي أو اليوناني.. وبدراسة الأجزاء الأربعة الباقية من الأجزاء الـ 36 الأصلية نجد ما يزيد على 232 نوعا من العقاقير هي العربية أو الفارسية، منها ما يزيد على 170 نوعا ذكرها ابن سينا في كتابه "القانون في الطب" الذي يشمل أنواعا عديدة من العقاقير الصينية أيضا مثل دند صيني وراوند صيني ودار صيني.. وهذا يعطينا فكرة أن أصل كتاب "وصفات هوى هوى" هو كتاب "القانون في الطب" لأبن سينا. ونجد التشابه والاتفاق الشديدين بين الكتاب الصيني وكتاب ابن سينا في استعمال الأدوية "العقاقير وغيرها" وكذلك في استعمال البدائل في الكتاب الصيني للأنواع المعينة من العقاقير الصينية التي وجدوا فيها خير البدائل للعقاقير العربية والفارسية في حالة عدم وجودها.

في الكتاب الصيني أسماء للأشخاص والأدوية لا نستطيع أن نفهمها إلا بعد أن نرجعها إلى الأصل العربي مثل "معجون هرمس" جـ30 و "طب بقراط" جـ34 و"سفوف أرسطا طاليس للملك الإسكندر" جـ30 و"معجون الفلاسفة" جـ30... ونجد نفس الوصفات للأدوية في كتاب القانون في الطب لابن سينا مثل "سفوف ارسطا طليس كتبه للاسكنر" في مجلد 5 جزء 3 صفحة 360 و"معجون الفلاسفة وهو المسمى مادة الحياة" في مجلد 5 جزء3 ص318... وأسماء الاشخاص مثل يحيى بن ماسوية جـ30 في الكتاب الصيني، ويحيى بن سرافيون جـ30، ومحمد بن زكريا جـ2، وحنين بن اسحاق جـ30 وسابور بن سهل جـ30، صهار بخت جـ30 وأبو علي بن سينا جـ30... معنى ذلك أن الطب اليوناني القديم نقل بلاد العرب في العصر العباسي وتطور وازدهر فيها على أيدي العلماء والأطباء العرب والفرس المسلمين والنصارى واليهود ثم نقل هذا الطب العربي الإسلامي المتطور المتكامل إلى الصين في الظروف الخاصة، واستفاد منه الطب الصيني التقليدي متمثلا في كتاب "وصفا هوى هوى" الصيني الذي يعتبر كتابا طبيا موسوعيا، مثل كتاب "القانون" في شكل تأليفه ومواد محتوياته. كان العلماء في العالم أكدوا أن كتاب ابن سينا "القانون في الطب" وصل إلى أوروبا في الغرب في القرون الوسطى. ونستطيع أن نؤكد على الأقل أن كتاب ابن سينا هذا له آثار واضحة في الكتب الطبية الصينية القديمة في العصور الوسطى في الشرق أيضا.

د- الفكرة الفلسفية الأساسية في الطب الصيني القديم التقليدي هي القطبان الموجب والسالب، والعناصر الخمسة التي هي المعدن، والخشب والماء والنار والتراب. وتوافق القطبين والعناصر هو صحة الإنسان، والعكس هو سبب المرض في جسم الإنسان. أما الطب العربي الإسلامي فاستمد الفكرة الفلسفية اليونانية من نظرية العناصر الأربعة التي هي التراب والماء والنار والهواء، وقبل ابن سينا هذه النظرية وقال في كتاب القانون: إن الأجسام تتكون من أربعة عناصر طبيعية، اثنان منها ثقيلان هما التراب والماء، والآخران خفيفان هما النار والهواء. وصحة الإنسان قائمة على اتفاق هذه العناصر والعكس هو سبب المرض.

كان الطبيب اليوناني القديم الشهير أبقراط 460-377 قبل الميلاد له نظرية طبية قائمة على أربعة عناصر هي الدم والماء وسائل المرارة الأصفر وسائل المرارة الأسود، واستنتج منها إلى نظرية الطبائع الأربع هي البرد والحرارة واليابس والرطوبة، ويقسم كل منها إلى أربع درجات: هي خفيف جدا، خفيف، شديد، شديد جدا. هذه العناصر الأربعة والسوائل الأربعة والطبائع الأربع والدرجات الأربع هي الأسس الفكرية الفلسفية في الطب اليوناني والطب العربي، وهي تختلف عن نظرية القطبين والعناصر الخمسة في الطب الصيني القديم، والتي هي في الحقيقة، الأسس الفكرية الفلسفية للديانة الطاوية الصينية التي لا تخلو من الخرافات وادِّعاء السحر والشعوذة، وكان الطب الصيني الإسلامي مثل الطب العربي الإسلامي بعيدا عن ذلك. بل كان طبا علميا خالصا، انتشر في بيئات المسلمين ومن حولهم في الصين، وصار جزءا من الطب الصيني التقليدي العام، ونجد آثاره في مؤلفات العلماء الصينيين غير المسلمين، مثل كتاب "فهرس النباتات الطبية Ben Cao Geng Mu" للعالم الصيدلي الصيني الشهير "لي تشي تشين (Li Shi Zhen)" 1518-1593م، وكتاب "وصفات الأدوية الجامعة (Pu Ji Fang)" الذي تم تأليفه سنة 1406م.. ونجد في هذه الكتب وصفات الأدوية الطبية للمسلمين مع العبارات نفسها.

5) نقل تكنولوجيا رماية القذائف إلى الصين:

أ- جاء في كتاب "أصحاب المهن والحرف" من كتب "سجلات تاريخ عهد سلالة يوان" أن علاء الدين هو المسلم من بلاد العرب والماهر في صناعة آلة رماية القذائف، وفي سنة 1271م وصل علاء الدين إلى الصين مع الآخرين بدعوة من إمبراطور الصين قبلاي خان، فصنع المدافع (آلات رماية القذائف) وجربها أمام أبواب المدينة المحرمة على مشهد الإمبراطور والأمراء والوزراء، ومنح الإمبراطور علاء الدين وزملاءه الهدايا وألقاب الشرف بعد نجاح التجربة. وفي سنة 1274م عندما واصل المغول زحفهم نحو جنوب الصين أرسلوا علاء الدين مع مدافعه لمساعدة جيوش المغول في ضرب مدينة تان تشو "مدينة تشانغ شا حاليا" والمدى الأخرى بضفة نهر اليانتسي الجنوبية. وكان لمدافع علاء الدين فضل كبير في سقوط هذه المدن. وفي سنة 1278م ارتقى علاء الدين إلى رتبة الجنرال وإلى نائب القائد العام لقوات المدافع سنة 1285م وتقاعد سنة 1300م وتوفي سنة 1312م وخلفه في وظيفته ابنه محمد.

ب- جاء في نفس الكتاب أن إسماعيل هو المسلم من بلاد العرب والماهر في صناعة المدافع (آليات رماية القذائف) ووصل إلى الصين مع علاء الدين سنة 1271م، ورافق جيوش المغول في ضرب مدينة شيانغ يانغ سنة 1273م، وكان قد تفقد مواقع القتال أولا لاختيار الموقع المناسب خارج المدينة لإقامة المدافع عليه، وكان وزن كل قذيفة يبلغ 75 كيلوجـرام، وعندما تنفجر القذيفة مترين ونصف. فخاف العدو واستسلم. وعين إسماعيل قائدا لمدافع المسلمين بعد ذلك، وتوفي سنة 1274م عن المرض وخلفه في وظيفته ابنه بوبا. كان عندما يعبر جنود المغول نهر اليانتسي كانت مدافع المسلمين تساعدهم من المؤخرة لتضرب سفن العدو بالقذائف فأغرقتها كلها. وارتقى بوبا إلى القائد العام لمدافع المسلمين سنة 1281م، ثم وزير العدل وحاكم الإقليم وتقاعد وخلفه ابنه حسن في الوظيفة.

وكان أخو بوبا -هو إبراهيم- قائدا عسكريا أيضا، وفي سنة 1328م انتقل إبراهيم مع جنوده من أصحاب الصناعة إلى العاصمة بالأمر من القيادة العليا ليشاركوا جنود محمد بن علاء الدين في صناعة مدافع جديدة. وتوفي إبراهيم في سنة 1330م وخلفه ابنه يعقوب في الوظيفة.

6) مآثر المسلمين في المجالات الثقافية الأخرى بالصين:

أ- كل من يذهب إلى بكين عاصمة الصين في الوقت الحاضر من الصينيين والضيوف الأجانب لابد أن يزوروا القصور الملكية السابقة بالمدينة المحرمة، والحدائق الملكية السابقة "حديقة بيهاي حاليا" على مقربة من القصور، ويتعجبوا من عظمة القصور والحدائق وفخامتها وروعة بنائها، ويرجع تاريخ بناء القصور والحدائق إلى 8 قرون في عهد سلالة يوان عندما اتَّخذ قبلاي خان مدينة بكين عاصمة لمملكته سنة 1279م، وكان اختيار الدين المهندس المعماري المسلم من بلاد العرب هو المصمم والمنفذ للمشروعين أيام حكم قبلاي خان 1215-1294م 1260-1294م على العرش. قال الأستاذ الصيني الكبير تشين يوان 1880-1971م، ورئيس جامعة بكين للمعلمين الأسبق والمختص في تاريخ الصين الحديث في "دراستا الصينيين من أصل بلاد الفرس والعرب" إن أكبر إهمالنا هو عدم اهتمامنا وذكرنا بمن صمم ونفذ مشروع القصور والمدينة المحرمة حولها في العاصمة اليوم من المهندس المعماري المسلم من أصل بلاد العرب، والسبب في ذلك عدم اهتمامنا بعلوم الهندسة والتكنولوجيا عند تسجيل أحداث العصر في كتب التاريخ.. ومصمم المشروع ومنفذه هو اختيار صلاح الدين المسلم من الأصل العربي وهذا قو قرأت مؤخرا في كتاب "المختارات" للمؤلف أويانغ شوان 1274-1358م، الذي كان يتولى مهمة تأليف ومراجعة كتب التاريخ في البلاط. وقال في أحد مقالاته عن وثيقة نصب مقبرة السيد مُـحَمَّد: إن السيد مُـحَمَّد هو ابن السيد اختيار الدين من الأصل العربي منذ عهد تانغ، وعندما جلس قبلاي خان على عرش الصين عيّن اختيار الدين مديراً للهندسة والمعمار، "البيوت والمخيمات في اللغة المغولية" سنة 1267م. وكان عهد يوان في قمة العز والجبروت ولا بد أن تكون القصور رفي عظمة وفخامة وروعة لتمثل هذا العز والمجد والجبروت، وكان اختيار الدين يعمل ليلا ونهارا في التفكير والتصميم، ثم في التنفيذ مع وزير المالية ووزير العمل.. وبعد انتهاء المشروع نال الإعجاب والتقدير العظيمين من الإمبراطور الذي منح اختيار الدين مزيدا من الهدايا والشرف، ولكنه تعب كثيرا وجاءته الشيخوخة قبل أوانها.

وقبل بناء القصور والمدينة المحرمة كان اختيار الدين قد قدَّم اقتراحا لبناء الحدائق سنة 1263م ونفذ المشروع في سنة 1264م، وما زالت بعض أجزاء الحدائق القديمة باقية حتى اليوم خاصة الجزيرة وسط البحيرة والبرج الأبيض فوقها.

نشر العالم الباحث مامينغ داو 1908-1991م مقالا تحت عنوان "من بنَى مدينة بكين؟" ضمن كتاب "تأثير الإسلام في الثقافة الصينية" نشره قسم المطبوعات لجامعة الثقافة الصينية بتايوان سنة 1982م، يؤكد الرأي المذكور أعلاه قائلا: إن مدينة بكين من تصميم المهندس العربي المسلم، مقلدا لمدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية في القرون الوسطى، وقال: إنَّ معبد السماء في بكين حاليا من تصميم المهندس العربي المسلم أيضا.

ب- برز من مسلمي الصين في القرون الوسطى نخبة من رجال الفنون والأدب أمثال السيد لأجل شمس الدين 1211-1279م الذي كان سياسيا شهيرا، وحاكما لإقليم اليوننان بالصين، وعاقلا حكيما في سياساته الزراعية والاقتصادية والتعليمية، وازدهر إقليم اليونيان في أيامه ازدهارا لا مثيل له في السباق. وكذلك انتشر الإسلام في الإقليم انتشارا واسعا، وأنشئت المساجد العديدة في مدنه... وسعد الله 1272-1348م، كبير الشعراء في عهد سلالة يوان وله ديوان شعر يشمل على ما يزيد عن 800 قصيدة في موضوعات شتى، في وصف الطبيعة وآلام الشعب وأضرار الحروب المستمرة.. وقاوكه قونغ 1248-1310م هو الرسام والشاعر والوزير للعدل في نفس الوقت، والشهير ببراعته في رسم المناظر الطبيعية من الجبال والأنهار والغابات والأشجار، وتمتاز أشعاره في وصف مناظر الحياة الريفية... وماجيو قاو الذي عاش بين أواخر القرن الـ13 وأوائل القرن الـ14، هو الخطاط والموسيقار الشهير وصاحب الوظيفة الكبيرة بالإقليم من الأصل العربي والمسلم، وله ما يزيد عن 28 لحنا موسيقيا مسجلا في كتاب "أغاني تاي بينغ" القديم.

*********************

*) أستاذ بجامعة اللغات والثقافة، بكين، الصين.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=154

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك