مفهوم التعايش

في مفهوم التعايش :
لا يستقيم لنا الأمر في بحث العلاقة بين الإسلام والتعايش بين الأديان، ما لم نحدّد بدقّة، مفهوم التعايش اصطلاحاً، باعتبار أن التعايش هو المحورُ الرئيسُ للقضية موضوع الدراسة برمتها.
بالرجوع إلى الدلالة اللغوية للتعايش، التي هي الأصل في اشتقاق الإصطلاح، نجد في المعجم الوسيط، تعايشوا : عاشوا على الألفة والمودّة، ومنه التعايش السلمي، وعَايَشَه : عاش معه. والعيش معناه الحياة، وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب والدخل(1).
وإذا دقّقنا في مدلولات مصطلح التعايش (COEXISTENCE) الذي شاع في هذا العصر، والذي ابتدأ رواجُه مع ظهور الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية اللتين كانتا تقسمان العالم إلى معسكرين متناحرين قبل سقوط سور برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، ـ نجد أن البحث في مدلول هذا المصطلح يقودنا إلى جملةٍ من المعاني مُحَمَّلةٍ بمفاهيمَ تتضارب فيما بينها، ولكن يمكن تصنيفُها إلى مستويات ثلاثة :
المستوى الأول : سياسي، إيديولوجي، يحمل معنى الحدّ من الصراع، أو ترويض الخلاف العقائدي بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي في المرحلة السابقة، أو العمل على احتوائه، أو التحكُّم في إدارة هذا الصراع بما يفتح قنوات للاتصال، وللتعامل الذي تقتضيه ضرورات الحياة المدنية والعسكرية. وقد عُرف التعايش، أول ما عُرف، على هذا المستوى الأول.
المستوى الثاني : اقتصادي، يرمز إلى علاقات التعاون بين الحكومات والشعوب فيما له صلةٌ بالمسائل القانونية والاقتصادية والتجارية، من قريب أو بعيد.
المستوى الثالث : ديني، ثقافي، حضاري، وهو الأحدث، ويشمل ـ تحديداً ـ معنى التعايش الديني، أو التعايش الحضاري. والمرادُ به أن تلتقي إرادةُ أهل الأديان السماوية والحضارات المختلفة في العمل من أجل أن يسود الأمنُ والسلام العالم، وحتى تعيش الإنسانية في جوّ من الإخاء والتعاون على ما فيه الخيرُ الذي يعمّ بني البشر جميعاً، من دون استثناء.
وعلى هذا المستوى الثالث، وعلى ضوء المفهوم المحدَّد الذي نستخلصه منه، نتعامل مع مصطلح التعايش، وننظر في أبعاده ومراميه.
لقد وضح لنا من تأمّلنا في هذه الدلالات جميعاً، أن التعايشَ الدينيَّ، أو بعبارة أدقّ، التعايش بين الأديان، يستند إلى أسس أربعة، هي :
الأساس الأول : الإرادة الحرّة المشتركة، بحيث تكون الرغبةُ في التعايش نابعةً من الذات، وليست مفروضةً تحت ضغوط، أيّاً كان مصدرها، أو مرهونةً بشروط، مهما تكن مسبباتها.
الأساس الثاني : التفاهم حول الأهداف والغايات، حتى لا يكون التعايش فارغاً من أي مدلول عملي، أو لا يحقّق الفائدة للطرفين، بحيث يكون القصدُ الرئيسُ من التعايش، هو خدمةَ الأهداف الإنسانية السامية وتحقيقَ المصالح البشرية العليا، وفي مقدمتها استتبابُ الأمن والسلم في الأرض، والحيلولةُ دون قيام أسباب الحروب والنزاعات، وردعُ العدوان والظلم والاضطهاد الذي يلحق بالأفراد والجماعات، واستنكارُ كلِّ السياسات والممارسات التي تُهضم فيها حقوقُ الشعوب، على أي مستوى من المستويات، ومحاربةُ العنصرية والعرقية واستعلاء جنس على جنس، تحت أية دعوى من مثل هذه الدعاوى المتهافتة المردودة الباطلة.
الأساس الثالث : التعاون على العمل المشترك من أجل تحقيق الأهداف المتفق عليها، ووَفقاً لخطط التنفيذ التي يضعها الطرفان الراغبان في التعايش، المصمِّمان عليه.
الأساس الرابع : صيانة هذا التعايش بسياج من الاحترام المتبادل، ومن الثقة المتبادلة أيضاً، حتى لا ينحرف التعايش عن الخط المرسوم، لأي سبب من الأسباب، وحتى لا تُغلَّب مصلحةُ طرفٍ على مصلحة الطرف الثاني، مهما تكن الدواعي والضغوط، وذلك بأن يتمَّ الاحتكام دائماً إلى القواسم المشتركة، وإلى القدر المشترك من القيم والمثل والمبادئ التي لا خلاف عليها ولا نزاع حولها، يُعزِّز هذا النزوعَ الالتزامُ من الجانبين بما اجتمعت عليه إرادةُ المجتمع الدولي، من مبادئ قانونية استوحاها تطوّرُ الفكر السياسي الإنساني من قيم الأديان السماوية عبر تراكم المعرفة طوال حقب التاريخ.
لقد عرف، في السياسة الدولية، مصطلح (التعايش السلمي) الذي يعني قيام تعاون بين دول العالم على أساسِ من التفاهم وتبادل المصالح الاقتصادية والتجارية. وقد ظهر هذا المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين راحا يتناحران على أساس عقائدي. ومما ساعد على إبراز الدعوة إلى سياسة (التعايش السلمي) الفزعُ الذَّري بعد أن أصبحت القنبلة النوويّة، وهي أداة الدمار الشامل، مشاعةً بين دول المعسكرين. وبعد قيام الجبهة الثالثة وهي مجموعة دول الحياد الإيجابي، أو عدم الانحياز، أكدت الرغبةَ في أن يكون التعايش السلميّ هو السبيل إلى تنسيق العلاقات الدولية في العالم، وإلى نبذ الحرب الباردة وسياسة حافة الهاوية والتلويح باستخدام معدّات الدمار الشامل(2).
وتذهب (الموسوعة السياسية) إلى أن أول من أطلق شعار التعايش السلمي (PEACIFUL COEXISTENCE)، هو نيكيتا خروتشوف، الذي كان لا يعني به تراجعَ بلده الاتحاد السوفياتي عن تحقيق أهدافه المعلنة، بقدرما كان يعني به محاولته تحقيق تلك الأهداف بطريقة تنسجم مع مقتضيات التغيّرات التي طرأت على المسرح الدولي، كوجود ما يُعرف بتوازن الرعب، كما تذهب إلى أن الغرب يُؤْثِرُ أن يكون المقصود بالتعايش السلمي هو ما يُطلق عليه : (عِشْ وَدَعْ غيَرك يَعِشْ أيضاً)(3).
وهذا المفهوم، كما يبدو، مغايرٌ للمفهوم الأول، من حيث الهدف السياسي والمذهبي في المقام الأول.
غير أننا إذا استندنا إلى المفهوم الأول، ونقلناه إلى مجال التعاون بين الأديان، أمكن لنا أن نقول إن التعايش بين الأديان، إذا تمَّ في حدود هذه المستويات، وقام على هذه الأسس، كان ضرورةً من ضرورات الحياة على هذه الأرض، تستجيب للدواعي الملحة لقاعدة جلب المنافع ودرء المفاسد، وتلبّى نداء الفطرة الإنسانية السويّة للعيش في أمن وسلام وطمأنينة، حتى ينصرف الإنسانُ في دعة وسكينة، إلى تعمير الأرض، بالمعنى الحضاري والإنساني الواسع لهذا التعمير.
فالتعايش، بهذا الفهم الموضوعيّ لطبيعته ولرسالته، هو اتفاقُ الطرفين على تنظيم وسائل العيش ـ أي الحياة ـ فيما بينهما وفق قاعدة يحدّدانها، وتمهيد السبل المؤدّية إليه، إذ أن هناك فارقاً بين أن يعيش الإنسان مع نفسه، وبين أن يتعايش مع غيره، ففي الحالة الأخيرة يقرّر المرء أن يدخل في عملية تَبَادُلِيَةٍ مع طرف ثانٍ، أو مع أطراف أخرى، تقوم على التوافق حول مصالح، أو أهداف، أو ضرورات مشتركة.
ولا يخرج مفهوم التعايش بين الأديان، عن هذا الإطار العام، بأية حال من الأحوال، وإلاَّ فقد خصوصياته، وانحرف عن غاياته، وهذا ما يحتّم وجود قاعدة ثابتة يقوم عليها التعايش بين الأديان. وهو أمرٌ له صلةٌ وثيقةٌ برسالة كلِّ دين من هذه الأديان، وبالمبادئ التي يقوم عليها، وبالقيم والمثل التي يدعو إليها.
وهنا يتعيّن علينا أن نأتي على بيان مختصر مركّز لخصائص الإسلام، ولجوهر مبادئه الداعية إلى الإخاء الإنساني، في مدلولاته العميقة وآفاقه الرحبة.
المصدر:
http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/interelig/P1.php

الحوار الخارجي: