سؤالُ السّلفيّة .. وسؤال التّطرُّف

أحمد عزيز الحسين

 

(مفهوم السّلفيّة)، في رأيي، هو محاولةٌ للمحافظة على هُويّة متكوِّنة يرفض أصحابُها أن تتغيَّر بتغيُّر السِّياق الّذي تتعالق معه، وتندرِج فيه، ولذا يتشبّث أصحابُه بـجوهرٍ ثابتٍ لهُويَّتهم أو ماهيّتهم زاعمين أنّ ما يجري حولهم من تغيُّرات يُهدِّد هذا الجوهـرَ الّذي لا يُرِيدونه أن يتأثّر بالغليان والفوران اللّذين يدوران حولهم؛ لأنّهم يزعمون أنّ هذا الجوهـر مُكتمِلٌ، ولا يجوز أنْ تتلوّث ماهيّتُه بأيّ تغيُّرٍ يُهدِّدها؛ لأنّ أيَّ تغيُّرٍ يُصِيب هذا الجوهرَ يُعرِّض ماهيّته للذّوبان، ويُفضِي بأصحابه إلى الاغتراب والتّلاشي في عالم تتعرّض ماهيّتُه، أوهُـويَّتُه، لإعادة التّشكُّل والتّغيُّر باستمرار. ومفهوم السّلفيّة، وفق هذا المعنى، مُناوِئٌ للتّغيير، مُتمسِّكٌ بالماضِي، ويرى فيه أصحابُه مثلَهم الأعلى، ولذا يرفضُون الاندراجَ في العالم الّذي يعيشون فيه من موقِع الفاعِل؛ أو القادِر على التّغيير، أو التّغيُّر؛ لأنّ مثلهم الأعلى كامِنٌ في ماضٍ أفَلَ، إنّهم يلتقون في هذا مع السُّلطات الشُّموليّة العربيّة الّتي يزعمون للنّاس أنّهم يُناهِضونها، ذلك أنّ كليهما (أي السّلفيين والشُّموليّين) يتشبّثون بماضٍ غبَر، وكلاهما يرفض الاندراجَ في الحاضر من موقِع التّفاعُل الإيجابيّ معه، أو الرّاغب في تغييره، وفِي حين يزعُم السّلفيّون أنّ الحاضر مُلوَّثٌ، ويجب أن يُطهَّر من أدرانه من خلال التِحافِه بالماضي، والتّجلبُبِ به، والزّعم بأنّ العودة إليه هي السّبيلُ الوحيد للخلاص؛ يرى ممثِّلو السُّلطة الشّموليّة أنّ تثبيتَ الحاضر، في لحظةٍ معيَّنةٍ، هو الفعل الأثير الذي يمكن أن يقوموا به بغية الحفاظ على مصالحهم الحيويّة والمتجدِّدة، مع حرصهم على استثمار التّمسّك بالماضي لدى السّلفيّين بغية الهيمنة على الشّارع العام..

وأظنّ أنّ ماحدث في بلدان الياسمين العربيّ (مصر، وتونس، والجزائر، والسّودان…) وما يمكن أن تنضوي عليه انتفاضةُ القرن اللّبنانيّة، كما سمّاها موقعُ (أوان) اللُّبنانيّ، هو محاولةٌ للبحث عن مفهوم جديد للهُويّة تتعارَض آليّاتُ تشكيله مع ما تريده السّلطات الشّموليّة في هذه البلدان من ثباتٍ للمفهوم الّذي تجد فيه نفسَها، وتُحقِّق فيه مصالحَها؛ ذلك أنّ تحقيقَ الذّات وتأصيلَ الهُوِّية لشعوب هذه البلدان، في رأي سّلطاتها الشّموليّة، يتِمّان من خلال الرّضا بما هو موجود على أرض الواقع من نهجٍ سياسيّ محدَّد، ونمطِ حياةٍ مرسومٍ ترى فيهما هذه السُّلطات أجلى مظهرٍ لتحقيق الذّات الوطنيّة في بلدانها، بينما تذهب شعوبُ هذه البلدان إلى أنّ هذا الشّكل من تحقيق الذّات يتعارض مع حقوقهم، ويُبقِيهم فِي خانة العبيد والأذلّاء، في حين يرى السّلفيّون أنّ الذّات الوطنيّة يمكن أن تتحقّق باستعادة الماضي فقط، وتبنِّي المُثُل الجماليّة الّتي كان فقهاؤهم يرون أنّها السّبيل الوحيد لتحقيق ذواتهم المنبثقة من سياقٍ محدَّد.

وما يمكن ملاحظتُه أنّ هذا الزّعم يحمل نوعاً من الازدواجيّة لدى الطّرفين السّابقين؛ إذ أنّ السَّلفيّين، مع تمسّكهم بالماضي شعاراً لهم، إلّا أنّهم ينخرطون في الحاضر من موقع الرّاغب في الاندماج فيه، ويُبِيحون لأنفسهم اقتناء كلّ ما ينتجه أعداؤهم الإيديولوجيُّون والحداثيُّون من منجزات تقنيّة وحضاريّة، ويسارعون إلى شراء ما يُطرَح منها في الأسواق كأجهزة الهاتف النّقّال وغيرها، ولكنّهم يرفضون اعتناق الفكر الّذي صنع هذه المنجزات، ويعدونه فكراً إلحاديّاً ومارقاً عن الدّين، ويجاهدون لمواجهته مستثمرين المنافذ الإعلامية المتاحة لهم لفعل ذلك. وهم، في ذلك، يختلفون عن المتطرِّفين والإرهابيّين الّذين يحملون الفكر نفسه، ولكنّهم يسعون إلى فرضه على الآخرين بكلّ أشكال العنف المتاحة بدءاً من التّعذيب والاغتصاب، مروراً بالسّحل والخطف ووصولا إلى القتل والاغتيالات وما شاكل ذلك.

وما كتبه معارضو هذه السّرديّة في بلدان الياسمين العربيّ يُناهِض الرّؤى الثّلاث: السّلفيّة، والمتطرِّفة، والشّموليّة؛ ويطرح بديلا وطنيّاً جديداً لمفهوم الهُوِيّة وآليّات تحقيقها على كلّ المستويات، مع ملاحظة أنّ هذا البديل يتعارض جذريّاً مع ما تريده السُّلطات الشّموليّة نفسُها من ثبات لمفهوم الهُويَّة وسكونيّة للواقع لا ينبغي أن تغادره أبداً.

المعارضون لهذه السّرديّة، بهذا المعنى، يرفضون قَبُول مفهوم الهُوِّية الّذي يسعى مناصرو الرّؤى الثلاث إلى فرضها عليهم، ويطرحون مفهوماً مغايراً لسرديّة جديدة ينهض على التّعدديّة السّياسيّة، والاعتراف بحقّ المواطنة، وقبُولِ الآخَر، والاندراجِ في الحاضر من موقع التّفاعُل الإيجابيّ معه، والاتّكاء على الماضي من موقع المُتمثِّل له، لا الاتّكاء عليه من موقع أنّه المثل الأعلى الّذي ينبغي العودة إليه بوصفه شكلا وحيداً لتحقيق الذّات، وتكوين الهُوِّيّة، ويَرَوْن أنّ تحقيق الذّات الوطنيّة، والإعلاءَ من شأنها لا يتمّان إلاّ إذا تخلّصت شعوبُ هذه البلدان من سلطة القمع الّتي تُهدِّد وجودها، ومن السُّلطة الشُّموليّة الّتي تقف حائلا بينها وبين تكوين وطنٍ صحيح مُعافَى يمكن أن يُساعِدها في بناء ذواتها، وتحقيق وجودها بالطّريقة المُثلى الّتي تجعلها قادرة على تحقيق ذّاتها وهُويَّتها معاً.

بهذا المعنى لا يبقى هناك مجالٌ لتأصيل الهُويّة؛ لأنّ كلّ تأصيل يقتضي البحث عن الهُويَّة في ماضٍ أفل، أو في أصلٍ سابقٍ لا يمكن أنْ يُستَعاد مرّةً أخرى، ووفق هذا المعنى أيضاً: لا يمكن للهُويّة أنْ تتحقّق في العودة إلى الماضي، أو في التِحافِ أصلٍ سابقٍ لها؛ لأنّ كلَّ أصلٍ يعني العودة إلى الوراء، ولأنّ كلّ أصلٍ يجد شكلَ تحقُّقه في سياقٍ غابرٍ لا يمكن أنْ يُستعَار، أو يُستعَاد مرّةً أخرى.

وفي ظنِّي أنّ المفهوم السّلفيّ للسّرديّة الماضويّة كان جزءاً من بنية العقل الجمعيّ العربيّ، وبقي مندرجاً في نسيجه بسبب إخفاق حركات التّحرُّر الوطنيّ في قيادة بلدانها إلى شاطئ الأمان، وتحوُّلها إلى سلطات أوتوقراطيّة لاهمّ لها سوى الاستمرار في الحكم؛ ولذا انبعث الكامن في هذا العقل مرّةً أخرى بعد نكسة حزيران في عام 1967،  بوصفه محاولةً لتحقيق التّوازُن في هذه البلدان.

وقد قام الرّاغبون في تحقيق التّوازن المنشود بالعودة إلى تراث الأسلاف للبحث فيه عمّا يناسبهم من أفكار وسلوك تقوِّيان المنظومة الفكريّة والقيميّة الّتي شرعوا في تشكيلها لتخليص المجتمع من معاناته كما يعتقدون.

وقد كانت العودة إلى الماضي محكومة بفكرة مسبقة هي أنّ الحاضر يفتقر إلى النّقاء، وينبغي،  من أجل ضبطه والهيمنة عليه، الاستعانةُ بما هو مناسب من أفكار السّلف الصّالح كي يُمسِي الحاضرُ امتداداً للماضي، والماضي هو المثل الأعلى بالنّسبة إلى هذا الحاضر، وهذا ما أفضى بمن عاد إلى الماضي إلى استعادة رموز معيّنة في هذا التراث في محاولة منه لجعل الحاضر امتداداً للماضي بما يعنيه ذلك من توقُّف الزّمن عند الأسلاف، وكون المثل الأعلى موجوداً في هذا الماضي فقط؛ ولذلك ينبغي أن يلحق الحاضر بالماضي، ويغدو نسخة طبق الأصل منه. ولهذا أصبح أيّ تطوُّر أو افتراق بين الحاضر والماضي نقصاً في الحاضر نفسه، وتأكيداً على وجود نقص معرفيٍّ في الحاضر جعله “جاهليّاً ” بحسب سيّد قطب، ولا بدّ له كي يكون مقبولا من أن يعود إلى ما كان فيه من صفاء وسطوع موجودين في الماضي فقط، ولو أفضى ذلك إلى استخدام العنف لتحقيقه.

لقد نهج السّلفيُّون نهجاً سلميّاً في سعيهم لتجذير أفكارهم وموضعة مثلهم الأعلى في البلدان الّتي عاشوا فيها، كما قلنا، وأقاموا حالة سلام رخيّة مع السُّلطات الشُّموليّة الّتي تعاونت معهم، مستغلِّين تعاوُن هذه الحكومات معهم خوفاً من مثقّفي اليسار، ورغبة منهم في دفع الجيل الشّاب  نحوالماضي، والمكوث فيه، وصرفه عن الاهتمام بتغيير حاضره (الملوَّث والعفن) كما يقولون، وهكذا بقي هذا الحاضر على حاله من دون أيّ تغيير طاله، وهذا ما جعل السّلفيين يختلفون مع الجماعات المتطرِّفة والإرهابيّة الّتي اعتنقت الأفكار الماضويّة نفسها، ورأت أنّ هذه الأفكار يجب أن تُهيمن على المنظومة الفكريّة لجيل الشباب، ولو أدّى ذلك إلى استخدام العنف لموضعتها، وإقصاء الأنظمة العربيّة عن مواقع السُّلطة والحلول محلّها (الإخوان المسلمون والسّادات مثالاً)، ممّا جعل الأنظمة العربيّة تعادي المتطرّفين والإرهابيّين، وتسعى لاجتثاثهم من مجتمعاتها بوصفهم أعداءها الحقيقيّين الّذين يجب القضاءُ عليهم إلى الأبد، ولعلّ ما حدث بين نظام عبد النّاصر والإخوان المسلمين في مصر هو أنصع دليل على ذلك.

المصدر: https://www.alawan.org/2019/12/06/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%91%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%91%d8%b7%d8%b1%d9%8f%d9%91%d9%81/

الأكثر مشاركة في الفيس بوك