التوازن بين الديني والدنيوي

التوازن بين الديني والدنيوي

 

يخشى البعض من المشروع الإسلامي على أساس أنه ربما لا يميز بين الديني والدنيوي، بل إن هذه المشكلة بدأت تتردد في كتابات بعض الإسلاميين، والمشكلة تدور حول احتمال الخلط بين ما هو ديني وبين ما هو دنيوي في المشروع الإسلامي للحركات الإسلامية.

والبعض يبحث عن حلول لذلك من داخل المشروع الإسلامي، والبعض الآخر يحاول التوصل لحل لتلك القضية من داخل التجربة الغربية، والبعض الآخر يرى أن هذه المشكلة كافية للبعد عن المشروع الإسلامي برمته، أو حتى منعه من العمل والتواجد في الساحة الإسلامية، أما البعض الآخر فقد يرى أن الخلط ضروري بين ما هو ديني وما هو دنيوي، أو أن الربط الشديد بينهما ضروري.

ولتناول تلك المشكلة يلزم في البداية البحث عن تعريف محدد للعلاقة بين الديني والدنيوي، وبالتالي تعريف محدد لفكرة الخلط بينهما، والمدخل المناسب لذلك يكمن في طبيعة كل منهما؛ فما هو ديني مقدس ومطلق، وما هو دنيوي بشري ومتغير، فكل ما يعتبر من ثوابت الدين مقدس ومطلق، وكل ما يعتبر من اجتهاد البشر متغير وبشري، وكل ما هو من ثوابت الدين لا يجوز الاختلاف حوله، أو الاجتهاد حوله، وكل ما هو منتج بشري يجوز الاختلاف حوله، بل يجب الاختلاف حوله؛ للوصول إلى الأفضل والأصح والأنفع.

الدنيوي له مقدس

قد يتصور البعض أن المشروع الإسلامي لأنه ينبع من الدين يحتوي على مقدس، أما المشاريع الأخرى والتي تقوم على المبادئ العلمانية -أي الدنيوية- فهي بلا مقدس، وبهذا تكون المشاريع السياسية الغربية قابلة كلها للنقاش والجدل والاختلاف، أما المشروع الإسلامي فهو يحتوي على جزء قابل للاختلاف وهو الدنيوي، وجزء غير قابل للاختلاف وهو الديني، وهذا ليس صحيحا على إطلاقه؛ فالمذاهب البشرية تقوم على عدة أسس أو مبادئ، وتصبح هذه المبادئ هي الجزء المقدس في هذا المذهب البشري، ولا يجوز الاختلاف حولها؛ لأن الاختلاف حولها يعد خروجا من المذهب البشري المعني.. نقصد من هذا مثلا أن الليبرالية العلمانية تمثل مذهبا بشريا، وهي لا تنبع من دين ولا تمثل دينا.

ولكن الليبرالية العلمانية تقوم على عدة مبادئ أساسية، ومنها مثلا الحرية الفردية، ولا يمكن الخروج عن هذا المبدأ والبقاء في إطار الليبرالية العلمانية، ومن يخرج عن هذا المبدأ ويرفض تماما فكرة الحرية الفردية كما جاءت في التراث الليبرالي العلماني الغربي لا يعد ليبراليا، بل يعد منتميا إلى مذهب بشري آخر.

فما الفرق إذن بين مقدس المذهب البشري ومقدس المذهب الديني؟ نقول ببساطة: إن مقدس المذهب الديني مطلق وسماوي، ومقدس المذهب البشري بشري ونسبي، ونقصد من هذا أن العدل مثلا، بوصفه القيمة الأساسية في المشروع السياسي الإسلامي، يبقى قيمة عليا مطلقة، تستمر مع المشروع الإسلامي في كل مراحله وعبر كل الزمان والمكان، ولها تعريف محدد من مصدر فوق بشري لا يستطيع الإنسان نحوه إلا الاجتهاد في الفهم.

أما الحرية الفردية فهي ليست قيمة مقدسة لكل التاريخ الغربي عبر كل المكان والزمان، ولكنها قيمة لها تعريف محدد في فترة تاريخية محددة، وهو تعريف بشري يمكن أن يتطور عبر الزمن، ومع ذلك تظل هذه القيمة مقدسة في الليبرالية العلمانية، ويصبح الخروج عنها نهاية لليبرالية العلمانية وقياما لمذهب آخر.

الخروج على المقدس

هل هناك من فرق بين الخروج على المقدس البشري والخروج عن المقدس الديني؟ نقصد من هذا التساؤل عن السبب في تصور البعض عن وجود فروق في المعارك السياسية أو الصراعات السياسية التي تدور داخل إطار مذهب كله بشري، وبين تلك التي تدور في إطار مذهب جانب منه ديني والآخر بشري.

ولكن الخروج عن مقدس النظام السائد لا يعني سوى الخروج عن دستور البلاد، أي الخروج عن النظام العام، وفي كل الأنظمة السياسية هناك قواعد تمنع الخروج عن النظام العام، وفي الوقت نفسه تحدد سبل المطالبة بتغيير هذا النظام طبقا لقواعد العمل الدستورية، ولنفترض مثلا أن تيارا سياسيا ما قام في الغرب الليبرالي وطالب بالحد من الحرية الفردية، وطالب الناس بمنع ممارسات الحرية الفردية التي يعتبرها شكلا من الانحلال والتفسخ الاجتماعي، ففي هذه الحالة سوف يعتبر هذا التيار خارجا على الدولة والنظام العام، ويمنع بقوة القانون.

أما إذا قام تيار ما باقتراح تعديل بعض القوانين بصورة تحافظ على الحرية الفردية، ولكنها تحد من مظاهر التحلل، فسوف يسمح له بالعمل ليبحث عن المؤيدين، فإن لم يحصل على أغلبية مؤيدة لمواقفه فلن يتاح له التأثير على النظام العام.

فماذا يمكن أن يحدث في النظام الإسلامي؟ أليس نفس الصورة السابقة! ففي المثال السابق نجد أن المطالبة بمنع الحرية الفردية أمر غير متاح، ومطالبة الناس بالخروج على الدستور والنظام العام أمر غير متاح أيضا، ولكن محاولة الاجتهاد والاختلاف داخل إطار النظام العام أمر مسموح به.

وهو نفس الشيء الذي يمكن أن يحدث في النظام الإسلامي ما دمنا قد وفرنا المؤسسية اللازمة وحكم الدستور والقانون وقنوات العمل السياسية التعددية، ولكن البعض قد يرى أن النظام الإسلامي سوف يمنع الدعوة للخروج من الإسلام، أو عليه، وهذا أمر طبيعي، ففي النظام العلماني في فرنسا مثلا لا يجوز الدعوة للخروج على العلمانية، فهناك في كل نظام فكرة أساسية بجانب القيم المقدسة الأخرى، وهذه الفكرة الأساسية يعد الخروج عليها قضاء عليها، ولذا يعتبر الخروج عليها أو المطالبة بذلك هو خروج على النظام العام والدولة بالكامل، وفي هذه الحالة تقف الدولة ضد هذا الخروج وتمنعه، فإذا لم تستطع فسوف تحدث ثورة وانقلاب كامل على النظام.

المقدس العلماني

لماذا إذن لا يتحدث الناس عن احتمال حدوث خلط بين المقدس والمتغير في العلمانية، أو بين مجال المقدس والمجال المتغير في العلمانية؟ والجواب سهل ومتاح؛ لأن كلا المجالين -أي المجال الذي جاءت منه القيم المقدسة للعلمانية والمجال الذي جاءت منه القيم والسياسات والأنظمة المتغيرة- واحد.

فكلاهما مجال بشري، وكلاهما مجال يتعلق بالمجال العام والفكر والسياسة، فالعلمانية وليدة المجال السياسي، نشأت فيه، وتمددت منه إلى كل مجالات الحياة، ومهما كانت القيم المقدسة التي تقوم عليها العلمانية -أي الوضعية الدنيوية- في مختلف نظرياتها ومذاهبها، فهي في النهاية قيم بشرية أي من صنع البشر.

وكل تطبيقات المذاهب العلمانية مثل الليبرالية هي أيضا من صنع البشر، فما دام الصانع واحدا فلم ير أحد مجالا للحديث عن الخلط بين المجالات، ولكن الخلط حدث، وبصورة معاكسة، أي حدث الخلط -إذا جاز هذا التعبير- بسبب تمدد ما هو علماني من المجال السياسي إلى المجال الديني، فأصاب المجال الديني بصفاته وخصائصه، فجعل المقدس المطلق الإلهي يبدو مقدسا ولكن نسبيا، ثم جعله يبدو بشريا ونسبيا، ثم أنهى صفته الدينية وأنهى القداسة من حوله، وقضى عليه في النهاية.

وهنا نتكلم عن كيفية تراجع المسيحية في أوروبا الغربية بسبب العلمانية، وبعد أن كانت مركز التجمع المسيحي الأول في العالم لم يعد لها هذا الموقع، أليس هذا نوعا من الخلط؟ وهل يمكن أن نعرف الخلط بهذا المعنى ونرى وجوده في الحالة الإسلامية؟

الحقيقة أن تعبير الخلط ليس تعبيرا دقيقا، وربما الأصح هو القول بعدم التمييز بين المجالات المختلفة والطبيعة الخاصة لكل مجال، وبهذا يكون الخلط بين طبيعة مجالات الحياة المختلفة، ومن هنا يمكن النظر بدقة أكثر لقضية الخلط بين الديني والدنيوي في المشروع الإسلامي؛ حيث يصبح المقصود منها عدم التمييز بين الطبيعة الخاصة للمجالات الدنيوية والمجال الديني.

والمثال الأهم لذلك بالطبع هو المجال السياسي بوصفه مجالا من المجالات الدنيوية، والذي يخشى من التأثير السلبي للمشروع الإسلامي عليه، ومع البحث عن إجابة هذا التساؤل أو هذه الهواجس علينا ملاحظة عدم وجود مشاكل تخص العلاقة بين المجال الديني والمجال الاجتماعي، رغم أن الأول ديني والثاني دنيوي أيضا.

الخلط بين الديني والدنيوي

دعونا نقول إن المطلوب من المشروع الإسلامي أن لا يفعل عكس ما قامت به العلمانية، فإذا كانت العلمانية قد أدت إلى تراجع الديني بسبب زحف رؤيتها الدنيوية، فالمطلوب أن لا يؤدي المشروع الإسلامي إلى تراجع المجال الدنيوي، ومنه المجال السياسي، بسبب زحف رؤيته الدينية المطلقة فيما هو دنيوي.

المشكلة هنا في المشروع الإسلامي، إذا صحت، هي في التمييز بين ما هو ثابت ومقدس ومطلق وإلهي، وبين ما هو اجتهاد وتطبيق بشري متغير، أما المشكلة في العلمانية فقد كانت بين مقدس بشري نسبي ومقدس إلهي مطلق، حيث قضى الأول على الثاني.

هنا نصل للب المسألة، ففي التصور الإسلامي هناك الثوابت، والتي تمثل الجوهر المطلق الإلهي، والمجال الديني يمثل مجال ممارسة العقيدة والعبادة، لذا فهو مجال ممارسة ما هو ديني أو ما هو مطلق، أما المجال السياسي وغيره من المجالات الحياتية فهو مجال تطبيق القيم الدينية في الحياة، وهذا التطبيق في مجمله يمثل اجتهادا بشريا متغيرا، إلا ما كان منه تطبيقا لأحكام قطعية للدين.

إذن التمييز الضروري هنا هو بين القيمة المقدسة المطلقة، وبين الاجتهاد البشري المتغير في تطبيقها، وإذا لم ننجح في التمييز بين ما هو إلهي وثابت وبين ما هو بشري ومتغير، تحدث المشكلة التي يسمونها بالخلط بين الديني والسياسي، أو الخلط بين الديني والدنيوي، وهي في الواقع عدم تمييز بين المطلق الثابت وبين المتغير، أي عدم تمييز بين النص والتطبيق، وبين النقل والعقل، وبين المصدر الإلهي المطلق والاجتهاد البشري المتغير، فهل هناك احتمال لحدوث هذا الخلط أو عدم التمييز؟

هنا يمكن فهم بعض التيارات والاتجاهات الفاعلة في الساحة؛ فتيارات الإفراط والتي تسمى تيارات الغلو الإسلامي، نجدها توسع من مجال العقيدة حتى يشمل كل شيء، أو نجدها تمدد قضايا العقيدة حتى تصل إلى الفروع، نقصد من ذلك أن تيار الإفراط يميل إلى جعل كل القضايا ترتبط بالمطلق والثابت، ويضيق كثيرا من مجال المتغير حتى تصبح رؤيته كلها معبرة عن الثوابت فقط.

وهنا نستطيع القول إن تيار الإفراط يلغي ضمنا المجال الدنيوي، ويلغي بالتالي كل المجالات الحياتية، ويجعل المجال الديني المجال الوحيد الذي تجوز فيه كل تساؤلات الحياة، ويجعل من كل الأسئلة أسئلة حول العقيدة، ويجعل من كل القضايا قضايا حول الإيمان والكفر.

وهنا يلغى التمييز بين المجال الديني والمجال الدنيوي، ويسود المجال الديني فقط، ولا تبقى مساحة للاجتهاد الدنيوي، لكن الاتجاهات التي تريد مقاومة هذا التيار أو تريد التحجج به، وهي الاتجاهات التي تقوم على التفريط، تريد حصر المجال الديني في أضيق حدود حتى توسع من المجال الدنيوي، وهنا نجد من يريد حصر الدين في المجال الديني، أي حصر الدين في العقيدة والعبادة، حيث لا يكون هناك مجال للشريعة ولا لتطبيقها، والبعض يفعل هذا تحت زعم مواجهة الأثر السلبي لعدم التمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وهذا ليس صحيحا؛ لأن حل مشكلة عدم التمييز أو مشكلة الإفراط لا يأتي بإلغاء دور الدين أو بمحاربته، فهذا هو الحل العلماني.

القدرة على التمييز

إذن المطلوب هو الحل الوسطي؛ فالوسطية في تصوري تقوم أساسا على القدرة على التمييز بين الثابت والمتغير؛ مما يعني القدرة على التمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وبالتالي القدرة على التمييز بين المجال الديني والخاص بالعقيدة والعبادة، والمجال السياسي وغيره من المجالات الحياتية، ولهذا نقول إننا لا نسمع عن أحد يتكلم عن الخلط بين المجال الديني والمجال الاجتماعي؛ لأن العلاقة بينهما قائمة فعلا، وعلى أسس واضحة.

وهذه العلاقة لها جذورها التاريخية العميقة؛ فالمجتمعات العربية والإسلامية مجتمعات متدينة، أقامت نظامها الاجتماعي على أسس الدين، وهي بهذا جعلت المجال الاجتماعي مجالا لتطبيق قواعد وأحكام الدين في الحياة، ولم تجعل الاختلاف في التطبيق اختلافا في العقيدة، وبالتالي لم تجعل الاختلاف في التطبيق قضية من قضايا الإيمان والكفر؛ وهذا ما تعبر عنه الوسطية، والتي تمثل التيار السائد في المجتمعات العربية والإسلامية، وهذا أيضا المطلوب تحقيقه في المجال السياسي.

فوضع القواعد المنظمة كفيل بتحديد المسارات وحل المشكلات، وتجنب الصراعات، فالمجال الدنيوي عموما ومنه المجال السياسي يمثل مجالا لتطبيق القيم المقدسة التي يقوم عليها النظام العام، والعمل في المجال السياسي هو عمل في منطقة الاجتهاد والاختلاف في الرأي، وفي المجال السياسي وغيره من المجالات يكون على المشروع الإسلامي تقديم رؤيته عن تطبيق الشريعة، أما في المجال الديني فالحركات الإسلامية تقدم دورها تجاه نشر العقيدة والتمسك بالعبادة.

وهذا التمييز بين المجالات لا يقوم على أساس الفصل، بل يقوم أصلا على أساس تقسيم العمل بين المؤسسات والمجالات، ثم يقوم على أساس التكامل بين المجالات، فالمطلوب هو تقسيم العمل بين المجالات المختلفة؛ مما يساعد على التمييز بين المجالات والقواعد الحاكمة لها.

وفي نفس الوقت تحقيق التكامل بين كل المجالات؛ لأن كل نظام عام، سواء كان مصدره إلهيا أو بشريا، لابد له من التحقق في كل المجالات بصورة متكاملة؛ مما ينتج عنه في النهاية نظام عام واحد، يجمع المجتمع ويحقق وحدته ووحدة الأسس التي تقوم عليها الدولة.

وأتصور أن هذا التمييز والتكامل هو أساس الرؤية الوسطية، وهي الرؤية التي تمثل التيار السائد في التاريخ الإسلامي، والمشكلة ليست في هذه الرؤية، ولكن في التصورات العلمانية التي تتسرب لنا، والتي تقوم على تنحية دور الدين من الحياة العامة، وليس التمييز بين المجال الديني والسياسي، حتى العلمانية الجزئية قامت على أساس تنحية دور الدين من المجال العام؛ حتى لا يصبح مصدرا لقيم المجال العام، ولكنها تركت الدين في نطاق المجال الخاص، حتى جاءت مرحلة العلمانية الشاملة والتي بدأت تقضي على وجود الدين حتى في الحياة الخاصة.

ويصبح الضمان الحقيقي لقيام المشروع الإسلامي الوسطي متمثلا في قيام نظام سياسي مؤسسي دستوري، يقوم على تقسيم العمل المؤسسي، ويميز بين المؤسسة السياسية الأساسية وهي الدولة، والمؤسسة الدينية.

وبهذا يقوم على التوازن بين أدوار المؤسسات والتكامل بينها، مع تقسيم العمل الواضح ليصبح المجال الديني خاصا بممارسة العقيدة والعبادة، والمجال السياسي هو مجال التعدد في الرأي في مواجهة النظام السياسي وطبقا للدستور، وهو مجال الاجتهاد، ويكون على المؤسسة الدينية العلمية والتعليمية أن تعلن الرأي الديني الذي تراه أمام الناس، وفي مواجهة النظام السياسي، ولكن كل هذه المجالات تتكامل داخل الإطار الذي تختاره الأمة مرجعا لها، وهو في تصوري الإطار الوسطي الحضاري الإسلامي.

الحوار الداخلي: 
الحوار الخارجي: