الشرق والغرب حوار لا مواجهة

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وأصحابهم أجمعين.. وبعد.
الأقمار الصناعية المملوكة لأغلب الدول المتقدمة ملأت السموات المفتوحة بفضائيات تفوق العدَّ والحصر، وهذه الفضائيات تضخ سيلا من المعلومات بسرعة البرق، ومن ثم سمع الناس عن أسماء ومصطلحات لم تكن متداولة من قبل، مثل: "الحداثة"، و"ما بعد الحداثة"، و"نهاية التاريخ"، و"صراع الحضارات" و"الشمال والجنوب"، "الجات"، و"صندوق النقد"، و"البنك الدولى"، و"الدول المانحة"، ونتيجة للتقدم الهائل في ثورة المعلومات والمواصلات والاتصالات، تحول كوكبنا إلى قرية كونية كبيرة، يقع الحدث في مكان ما في أقصى بلاد الدنيا فلا يلبث خبره أن ينتقل في لحظات إلى كل بقاع الأرض، مع التفاصيل لما جرى في دقائق معدودة.
وكان يفترض أن تُحْدِث هذه الثورة قربًا في المشاعر مثلما أحدثت قربا في الزمان والمكان، غير أن الذي حدث عكس ذلك تماما، فثورة الاتصال قوبلت بثورة "انفصال".. انفصال بالذات في اهتماماتها وحتى في مشاعرها وأحاسيسها عن الآخرين، فلم يعد الشأن العام همًّا يتحمل الفرد بعض مسؤولياته، أو يحظى باهتمامه، أو حتى يفكر فيه.
ثم مرت مرحلة كانت الكرة الأرضية فيها على كف عفريت كما يقولون، ورأى العالم فيها نفسه على حافة الهاوية، فهناك حرب مفتوحة على شئ غامض وفضفاض، وليس له تشخيص أو تحديد يسمى بالإرهاب، وهناك تأجيج لروح العنصرية والصراعات الدولية، وهناك تنظير لنهاية التاريخ وصراع الحضارات، وبدأ العالم يواجه مشكلات من نوع خطير، ففي الشرق متطرفون، وفي الغرب متطرفون أيضا.
ومع الإحساس الحقيقي بالخطر الذى يحمله الواقع والدعوة إلى صراع الحضارت، نفض الإنسان عن نفسه شعور الانفصال وبدأ يحل محله شعور بضرورة الاتصال للبحث عن وسائل حقيقية للإغاثة والإنقاذ، ولم يجد بدا من أن يمد يده للآخر يحاوره ويتداول معه هموم الحاضر القلق، والقادم المرعب الذي لا يكن خيرا للبشر، ويدفعهم دفعا للفتنة والصراع، وكأنهم قطيع من الغنم يجب أن يتفرقوا ويتمزقوا حتى تتوزع قوتهم ويمكن قيادهم والسيطرة عليهم ويذبح منهم عدوهم.
ومن ثم تردد كثيرا مصطلح حوار الثقافات وحوارالأديان ثم حوار الحضارات، وأنشئت له مراكز علمية وبحثية، وتخصص فيه أكاديميون من كل التخصصات في محاولة لوقف زحف الدمار الذي يمكن أن يحدثه الصراع الدولي في زمن ادخرت فيه القوى الكبرى في مخازنها ما يزيد عن عشرة أطنان من المتفجرات لكل فرد من سكان الأرض
ومساهمة في إثراء البحث وتحديد الهدف، وكشف الجذور لحركة السلوك الحضاري في أي من الاتجاهات المتعددة، فقد تناولت بالبحث والدراسة موضوع: "الشرق والغرب.. حوار لا مواجهة".
واستعنت في البحث بمجموعة من المعارف والخبرات من مصادر متعددة، كان بعضها مشاهدة وتجربة مر بها البعض ودونها، وكان بعضها الآخر أبحاثا لمفكرين كبار من الغرب، تواترت أخبارهم وشهدت لهم كل الأكاديميات العلمية بالنـزاهة والتجرد، والجسارة على قول الحقيقة، وضعتها كلها بين يدى القارئ لتصب في نهاية الأمر في ميزان عقله، حتى يكتمل تصوره قبل حكمه على القضايا المطروحة؛ لأن الحكم على الشئ فرع عن تصوره.
وسأقسّم هذا الكتاب إلى: مقدمة، وستة فصول، وخاتمة، على النحو التالي:
الفصل الأول: الوجود الإسلامي في مجتمع الغرب بين الرفـض والاحـتواء، والتأثير والتأثر
الفصل الثاني: الغرب بين جور التعميم وعدالة الإنصاف
الفصل الثالث: دور المصطلح في صناعة الأفكار وصياغة العقول
الفصل الرابع: السياق التاريخي الذي يتم فيه الحوار
الفصل الخامس:حوار أم مواجهة؟
الفصل السادس: التأسيس لنظرية بديلة "تكامل الحضارت"
وهذه الفصول تمثل أدوات وآليات فكرية تعين الباحث على رسم صورة حقيقية للموضوع، وتحدد له ملامحه وقسماته قبل الدخول إليه والبحث في تفاصيله والسير في دروبه ومنحنياته.
وقبل البداية، حـول عنـوان الموضوع: الشرق والغـرب.. حوار لا مواجهة، يقـولـون في اللغة العربـية: إن "الواو" للعطف. والعطف يقتضى المغايرة" أي أن المعطوف غير المعطوف عليه.
ومن ثم فدلالة مصطلح الشرق والغرب، هل تعنى التقسيم باعتبار الجهة والمكان أو هو تقسيم باعتبار الدين والقيم والمفاهيم الفكرية والثقافية؟
بمعنى أن الشرق يعنى الشرق الإسلامي، وأن الغرب يعنى الغرب المسيحى؟ أم هو تقسيم جغرافي لا دخل للدين فيه؟
البعض عندما يطلق المصطلح "الشرق أو الغرب" يغلب جانب الدين باعتباره ديانة الأغلبية السكانية، ومن ثم فالتقسيم في نظر هؤلاء دينى لا جغرافي.
ويرد على هذا الرأى بأن الأديان كلها نشأت في الشرق ولم تنشأ في الغرب، أما أتباع هذه الأديان فمنهم من اختار المسيحية وعاش في الشرق فهو من أهل الشرق، ومنهم من اختار المسيحية وعاش في الغرب فهو من أهل الغرب، وكذلك الأمر نفسه بالنسبة للمسلمين واليهود، منهم مثلا من اختار الإسلام أو اليهودية، وعاش في الغرب فهو من أهل الغرب، وبالمناسبة فإن ما يقرب من 58 مليون مسلم يعيشون في الغرب اليوم.
وكذلك من اختار الإسلام أو اليهودية وعاش في الشرق فهو من أهل الشرق، ومن ثم فلا علاقة في دلالة المصطلح على الجانب الدينى إلا من باب التغليب.
ومعنى ذلك أنه يمكننا طرح السؤال على الشكل التالى. هل الشرق يمثل جهة وطرفا، أم يمثل قيما فكرية، ومعارف روحية وإنسانية؟
والغرب، هل يمثل جهة أخرى وطرفا آخـر في الحوار؟ أم أنه يمثل علما يتطور، وأفكارا تتغير، وتكنولوجيا تجرى ويجرى خلفها العالم بسرعة مذهلة؟
إذا اعتبرنا مدلول المكان والجهة جغرافيا فسيظل الشرق شرقا والغرب غربا.
وإذا اعتبرنا مدلول المفاهيم الفكرية، فثمة تبادل وتداخل وامتزاج وتأثير وتأثر، وعندما نقول: "الأزهر والغـرب" فإن الرابط بين الجهتين والطرفـين واو عاطفة، سواء باعتبار المكان والجهة، أو باعتبار المفهوم فكرا وثقافة ومعرفة، والعاطفة قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية، فإذا كانت إيجابية، فإنها تنشئ علاقة تقوم على الحب والرحمة والاحترام المتبادل.
وإذا كانت العاطفة سلبية، فإنها قد تنشئ علاقة تقوم على الكراهية التى تدعو إلى تجاهل الآخر وقهره وتنميطه وقولبته.
ونلاحظ أنه قد دخل على خط الحوار طرفان مهمان لكل منهما عمقه التاريخى ووزنه الثقافى وثقله العلمي وتأثيره الروحي.
فالأزهركمحضن لعلوم الدين -لغة وثقـافة وحضارة- بدأ في حوار هادئ غير مسموع بعد مع الفاتيكان بثقله الدينى والروحى، ومكانته وإمكاناته السياسية.
ومن ثم فقد تحققت خطوة كبيرة في سبيل توطيد مكانة الحوار وتثمين دوره في التقارب والتفاهم وتقريب وجهات النظر.
وهذا في حد ذاته مكسب كبير لعالم الخير والأخلاق والقيم، حيث اجتمعت قمة المكان بالاعتبار الجهوى والجغرافي، والمكانة بالاعتبارالعلمى والثقافي في العالمين الشرق والغرب، الأمر الذي يساعد على إزالة الحواجز النفسية ويقرب المسافات، ويلم شمل المؤمنين في مواجهة قوى أخرى عاتية ومتربصة بكل أشكال الإيمان على الكوكب الأرضي.
وإذا قلنا: إن الأزهر -جامعا وجامعة- يمثل الطـرف الإسلامي الذى يرمز إليه -مجازا- بجهة الشرق. وكان الفاتيكان يمثل الطرف الآخر الذى يرمز إليه -مجازا- بالغرب، فإن الحوار هنا يكون بين الإسلام والغـرب، وتلك خطوة متقدمة جدا يحل فيها -بلغة الإعلال والإبدال- الحوار باعتباره أول وسائل الفهم، محل الصراع والصدام، ويكون فيها صوت العقل بدلا من هتاف حناجر السوء وخطباء الفتنة.

صفة التغليب، أم ضابط التحديد والحصر: الشرق والغرب
عندما نقول: الشرق والغرب فإن صفة العموم تستغرق الطرفين معا أي الشرق الإسلامى، كله، والغـرب المسيحى كله، وهذا في الحقيقة يغاير الواقع، فلا الشرق كله مسلم، ولا الغرب كله مسيحى، غير أن صفة التغليب يمكن أن تعفينا من الدخول في ضوابط التحديد والحصر، وما يتصل بذلك من تفاصيل ربما لا يحتاجها مثل هذا البحث الذي ينصب جل اهتمامه في التعرف على القواسم المشتركة التى تصلح أساسا للتعايش، واهتداء طرفى الحوار إليها، وتقديمها للعامة والخاصة لدى الطرفين، علها تعفينا من صراع يؤجج ناره طوائف من المتطرفين عندنا وعندهم، وهو صراع يهلك الحرث والنسل، ولا يربح فيه إلا تجار الموت ولصوص الحضارة وسراق الأحلام هنا وهناك، بينما يخسر فيه الغالب والمغلوب على سواء.
وقبل الحديث عن الشرق والغرب -بصرف النظر عمن يمثل الطرفين في ظل الحوار أو حتى في ظل المواجهة- هناك حقائق يجب أن تتأكد في عقلية الأطراف المتحاورة وأن تنطلق منها رؤيتهم، وهذه الحقائق هي:
1. كلما ذهبت إلى مكان من أرض الله ستجد مسلما ومسيحيا ويهوديا؛ لأن الله خلق البشر كذلك، قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس:99).
2. أن الله رب الأنام وضع الأرض لكل الأنام، يقول تعالى: (وَالأرْضَ وَضَعَهَا للأَنَامِ) (الرحمن:10).
وهذه هي الرؤية الإسلامية، فعلى الجميع أن يتعايشوا في سلام ولا داعى لمعاندة سنة الله في خلقه.
3. أن الإسلام كالشمس أو كضوء النهار، لا يستطيع أحد أن يخفيه أو يحجبه عن الناس.
4. الذين يحبون الظلام ويكرهون النور ويؤججون نيران الصراع، يمكنهم أن يغلقوا أعينهم، أو يغلقوا نوافذهم، ولهم أيضا أن يسدلوا الستائر حتى لا يرون النور، ولكن من المستحيل عليهم أن يحجبوا عن الدنيا ضوء النهار.
5. الإسلام دين تكفل الله بحفظه، ومن ثم فلا داعي للقلق عليه، وهو يعيش بمكوناته الذاتية وسط كل تلك العواصف، ولا يحتاج إلى دفاع، ولكن علينا أن نتذكر الفرق بين حفظ الله لهذا الدين، وبين جهود البشر المكلفين ببيانه وتطبيقه وتوصيله إلى الناس، لا باعتباره حربا على الحضارات وتدميرا للحياة والناس، وإنما باعتباره سفينة النجاة للدنيا، وراعيا للحياة والناس، ورحمة الله للعالمين.
6. لم يستطع الغرب منذ الحروب الصليبية، وبداية عصر الاستعمار -رغم كل التفوق- أن يمحو الشرق من الوجود أو يكسر شوكة الإسلام، ربما سيطر على أنظمة واحتل بلادا، وربما أدمى من الإسلام بعض الأطراف، ولكنه لا يمكن أبدا أن يمحو هذا الدين من الوجود.
7. جرت سنة الله في هذا الدين أنه لا ينتصر إلا من ضعف، ولا ينتشر إلا من قلة "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء".
8. يجب أن نفرق بين الإسلام وبين المسلمين، وبين المسيحية التى بُعث بها نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام وبين المسيحيين، أي بين الرسالة والأتباع، فالإسلام شئ والمسلمون شئ آخر، المسلمون ناس من الناس، تجرى عليهم السنن والقوانين، يتقدمون وينتصرون إذا أحسنوا، ويتخلفون ويدفعون فاتورة الحساب إذا أساءوا، وكذلك الشأن بالنسبة للمسيحيين.
وبناء على تلك المحددات السابقة يجب أن يبدأ الحوار بين كل الأطراف، متحررا من ثقافة الكراهية من ناحية، وبعيدا عن روح الاستعلاء من ناحية ثانية.
فثقافة الكراهية تولد نوعين من الإحساس:
الأول: إحساس بالصواب المطلق والحق المطلق، يتولد عنه رد فعل رافض مبالغ فيه، يسرف في الهجوم على الغرب ثأرا منه وانتقاما، ويعمم أحكامه على الغرب جملة وتفصيلا، ويضع الجميع في سلة واحدة، وسوء الظن لديه هو القانون والقاعدة العامة.
والثانى: إحساس بالضعضعة والوهن والاستضعاف وقلة الحيلة، يتولد عنه رد فعل تنازلي مبالغ فيه، يسرف في طرح معنى التسامح ويجتهد في إرضاء الآخر -ولو على حساب الثوابت- ويتصرف من موقع المتهم فيلح في نفى تهم، الشراسة والعنف والإرهاب عن الذات.
أما روح الاستعلاء فيتولد عنها نوعان من الشعور.
الأول: إصرار على الخطأ مبالغ فيه، وتجاهل لحقائق التاريخ يدفع أصحابه إلى النظر للآخرين نظرة رأسية مستخفة بهم، ومن ثم يتم تجاهل حقوقهم والتجاوز معهم دون مراعاة لشعورهم أو خوف من غضبهم.
الثانى: شعور بالتميز والتفوق يتولد عنه رد فعل مبالغ فيه مصحوبا بغرور القوة رافض لأى تنازل مستعليا على الاعتذار عن أية إساءة ولوكانت مساسا بمقدسات، أوتشريدا لشعوب، وتحطيما لدول، أو احتلالا لأرض أو عرض، وذلك هو التطرف بعينه.
ونحن نعلم أن متطرفين في الشرق والغرب لا يريدون للدنيا أن تستقر ولا للعالم أن يعيش في ظل السلام العادل ونحمد الله أنهم في الشرق الإسلامي خارج القانون، بينما في الغرب هم الذين يفتون ويصنعون الأحداث، وهم في مراكز القرار، ومن ثم فهم يملكون القانون.
وبين هؤلاء وأولئك شرائح تساعد وطوائف تنفذ وآليات تُستخدم، ومنها البحث العلمى بطبيعة الحال.
ففى أكثر الأكاديميات العلمية يتم توجيه الأبحاث نتيجة التمويل لتحقيق أهداف معينة، ومن ثم يغيب الضمير، وينحى التجرد في البحث عن الحقيقة، وما لم يكن البحث سلبيا في نتائجه بالنسبة للهدف المطلوب إصابته فلا تمويل، ومن ثم تطال إشكالية التحيز كل شئ حتى مجالات الحقل العلمي.
ومن غير شك أن الأزهر -جامعا وجامعة- حين يبادر بتلك الخطوة المتقدمة ويطرح الحوار مع الغرب عنوانا لملتقى أبنائه فهذا تأكيد لروح التسامح التى يحملها الإسلام للدنيا كلها باعتباره رحمة للعالمين من ناحية.
ثم من ناحية أخرى فإن هذا الملتقى يدعو إلى منهجية علمية تدرك ببصيرة قيمة ثوابتنا الدينية، وتتفاعل في ذات الوقت بوعي شامل مع متغيرات الزمان والمكان.
تزود أبناء الأزهر بروح الانفتاح على الآخر، وتعتمد لغة العصر -حوارا بالتى هي أحسن- يحمل حقا يضئ، وينأى عن التعصب الذى يمثل حماسا يشتعل.
تثمن جهود العقل بين أطراف الحوار في إيجاد صيغة محترمة للعلاقات الدولية.
وتعمل على تفعيل القواسم للعيش المشترك بين الجميع.
كما ترفض صراخ الذين ينفخون في كير الصراع، ويدقون أجراس الصدام والحرب، ويسعون دائما أن يكون الالتهاب الحاد هو سمة العلاقة بين الإسلام والغرب. وذلك هو الوعي الذي ربى عليه الأزهر أبناءه، وتلك هي الأسس التى علمها الأزهر -جامعا وجامعة- لخريجيه الذين هم ملء السمع والبصر. وملأوا الدنيا شرقا وغربا ما يربو ويزيد عن ألف عام.
نسأل الله تعالى التوفيق والسداد..
أ.د. إبراهيم أبو محمد
سيدني في: 20 رجب 1430هـ - 13 يوليو 2009م

الفصل الأول
الوجود الإسلامي في مجتمع الغرب
بين الرفـض والاحـتواء، والتأثير والتأثر
في فترة وجود القطبين كانت الحرب الباردة عنوانا للصراع والاستقطاب والتجاذب الدولي بين كل من الاتحاد السوفيتى والكتلة الشيوعية التي تتحالف معه، وكان قد جذب إليه أكثر النظم التي تسعى إلى التحرر من الاستعمار من ناحية.
وعلى الجانب الآخر: كان الغرب بقيادة الولايات المتحدة قلقا بشأن التمدد الماركسي، وعمل بكل الوسائل على وقف وانحسار هذا التمدد من ناحية أخرى.
ومن ثم كان قانون التدافع يعمل بجلاء ووضوح، فكل طرف حريص على التمدد وكسب مساحات جديدة في مناطق الطرف الآخر، وفى ظل تلك الظروف الدولية استطاع الغرب أن يستثمر وجود الجاليات الإسلامية المهاجرة إلى مجتمع الغرب، وأن يوظفها في صراع الأيديولوجيات، فأكثر المهاجرين هاجروا فرارا من الأنظمة الثورية الشمولية التي كانت تسيطر في تلك الفترة، وبعض هؤلاء المهاجرين كان بينهم وبين الأنظمة صدامات بسبب انتماءاتهم الدينية والأيديولوجية، ومن ثم كان في مصلحة الغرب أن يستقبلهم ويأويهم ليحقق بذلك أكثر من هدف في وقت واحد.
1. فمن ناحية: يكتسب الغرب مصداقية في دفاعه عن الحريات وحقوق الإنسان في مواجهة المد الماركسى الذى حقق امتدادا في نصف الكرة الأرضية، حيث ارتبطت به أنظمة ومجتمعات دارت في فلكه، وكانت تدين له بالولاء الأيديولوجى. ومن ثم يظهر الغرب هنا حين يستقبل هؤلاء ويأويهم كواحة للحرية وملاذ آمن لحقوق الإنسان
2. يمكن استعمال هؤلاء المهاجرين كورقة ضغط سياسي في مواجهة الأنظمة التي تعاديه، وبعض هؤلاء يشكل طليعة المعارضة السياسية والقوى المضادة لمجتمعات الثورات التحررية.
3. وجود هؤلاء في مجتمع الغرب وخصوصا التيار الحركى منهم يجعل نشاطهم تحت سمعه وبصره، ومن ثم يأمن شرهم ويعمل على ترويضهم، بعكس ما إذا تولى هؤلاء السلطة في بلادهم.
4. بنى الغرب وجهة نظره على أن خصائص هؤلاء وهوياتهم ستذوب بعد جيل أو جيلين، ومن ثم تنمحى وتتلاشى تلك الخصائص وتتم في هدوء عملية الدمج والذوبان.
كانت هذه هى الأهداف وراء ترحيب الغرب بالوجود الإسلامي في النصف الثانى من القرن الماضى، لكن الرياح أحيانًا تأتى بما يشتهى السَّفِِن، وأحيانا تأتى عكس ما يشتهى السَّفِِن، فقد سقط القطب الشيوعى، وتحلل الاتحاد السوفيتى وانحصر المد الماركسى الذى كانت أمريكا والغرب تخافه وتخشاه.
ثم انكمشت دول عدم الانحياز وانفرد قطب واحد بزمام العالم. وقدمت أكثر الأنظمة التى كانت ثورية أوراق اعتمادها في بلاط النظام العالمى الجديد بعدما أعلنت توبتها وتطهرها من رجس الماركسية والشيوعية، ومن ثم فلم يعد الغرب في حاجة ليسوق نفسه كحام لحمى الحرية، وكمدافع عن حقوق الإنسان.
ولم يعد الوجود الإسلامى يستعمل كورقة للضغط على تلك الأنظمة، حيث التحقت تلك الأنظمة بقاطرة الغرب نفسه، وأضحت تأخذ عنه وتتلقى منه وتحولت العلاقة من العداء لتكون سمنا على عسل، وطبيعى أنه لم يكن في حسبان تلك الأنظمة أن تكون سقفا ومظلة لحماية أبنائها في الخارج، إذ الداخل نفسه يعانى ولا يشكل بالنسبة لها همًّا فكيف تفكر في مصلحة أقلياتها في المهجر؟
وبذلك سقطت المبررات الثلاثة: الأول والثانى والثالث من حسابات الغرب في التعامل مع الوجود الإسلامى في مجتمع المهجر.
كان الغرب يعتقد بفكرة الذوبان والتلاشي بعد جيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال على الأكثر، لكن المفاجأة المذهلة أن أجيال الأخلاف نشأت أشد تمسكا بدينها وتماسكا في هوياتها، بل تحولت إلى جزء من النسيج الاجتماعى واللحمة الحضارية لمجتمعات الغرب، وظهرت الخصوصيات أكثر فأكثر. وأضحت ظاهرة التمايز واضحة جلية، وبدلا من الذوبان والتلاشي كان التأثير المباشر في النسيج الاجتماعى الغربى، ومن ثم تم التداخل والمزج بين الدينى والاجتماعى، فأبناء المسلمين تزوجوا من نساء غربيات وهؤلاء وجدن في الدين الإسلامي وتقاليد الشرق ضالتهن فأسلمن وحسن إسلامهن، وارتبطت حركة التغيير الوجدانى بحركة في تغيير المفاهيم والتصورات، صاحبها وأعقبها تغيير في السلوك والممارسة، الأمر الذى أضحى من المألوف أن ترى المرأة الأوروبية ترتدى الحجاب وتفاخر وتعتز به كخيار لها وكحق من حقوقها المدنية، بجانب كونه واجبا دينيا لا يجوز لأحد أن يمنعها عنه، والأمر كذلك بالنسبة للرجال، حيث أصبح من المألوف، أن ترى مسلما من أصل أوروبي هو الذى يجلس ليفاوض أو يحاور نيابة عن المسلمين في بعض المصالح الحكومية. ومن ثم سقط المبرر الرابع وجاءت الرياح على عكس ما يشتهى السَّفِِن..!!.
فإذا أضيف إلى ذلك رد الفعل على الحملة الشرسة التى تولت كبرها مصانع الكذب الإعلامي ودعايات أمبراطورية هوليود بعد أحداث 11 سبتمبر والتكثيف الشديد على اعتماد التشويه والكذب، هذا الأمر المبالغ فيه جدا دفع الكثير من الناس إلى محاولة معرفة شئ عن هذا المارد المرعب والذى جاء ليحطم الحضارة ويطفئ أنوار الحياة، فنفدت كل الكتب التى تتحدث عن الإسلام، كما نفدت جميع المصاحف من المراكز والمؤسسات الإسلامية، ومع البحث والتحرى تكتشف الحقائق، وبالإضافة إلى ما يتمتع به المواطن الأوروبي من الحرية، كل ذلك جعل الإسلام خيارهم الأول، بعدما اتضحت الصورة واكتشف الناسُ حجم المغالطات والتدليس والغش. وصدقت حكمة الشاعر التى تقول:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتــاح لهــا لسـان حسود
ولسان الحسود هنا قدم للإسلام دعاية لا تستطيع الدول الإسلامية مجتمعة أن تقوم بها وكان هذا الأمر من تدبير الله سبحانه وتعالى؛ لأنه وحده هو الذى يحول الضر إلى نفع وأنه (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر: 2).
كل هذه العوامل دفعت بالغرب إلى إعادة النظر في استراتيجيتة تجاه الوجود الإسلامي في مجتمع المهجر، ومن ثم كانت حملات التعصب والكراهية التى مارستها صحف وإذاعات وبرامج تليفزيونية حاولت استعداء السلطات والأنظمة ضد المسلمين فكانت ترسانة القوانين الجديدة التى تخول لأجهزة الأمن المختلفة ممارسة إرهاب الدولة ضد مواطنيها -تحت دعوى محاربة الإرهاب- ممن أسهموا في إثراء مجتمعات الغرب فأثروا فيها وتأثروا بها.. فكم يبلغ يا ترى حجم هذا التأثير والتأثر في التبادل الحضاري بين الشرق والغرب..؟.

الشرق والغرب: التبادل الحضارى - التأثير والتأثر
إذا كان الشعر ديوان العرب يسجلون فيه المآثر والأمجاد فإن المثل الشعبى ذاكرة دونت حدثا في الماضى، كثيرا ما يستدعى في ظروف شبيهة لأخذ العبرة واختصار شروح طويلة، وفيه تكمن خبرة الأيام وحكمة السنين وتجارب الزمن، وفي المثل الشعبى يقولون: "الأيام دول"
وفي الحكمة يقولون أيضا " الدنيا إذا أقبلت على أحد أضفت عليه محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه".
مرحلة الاستلاب الحضاري:
والنفاذ إلى قلب الحقيقة وإزالة الغبش الذي يحجب الرؤية ويسبب سوء الفهم في العلاقة بين الشرق والغرب يتطلبان قدرا كبيرا من البحث الدؤوب في طبيعة تلك العلاقة التى تختلط فيها القوة العسكرية بقوة الفكر فنا وثقافة، كما تختلط فيها تراكمية العداء والصراع بتراكمية الثقافة والحضارة، وتلاقح المعرفة بين أخذ وعطاء، ورغبة وتمنع، مراحل متعددة شهدت مدا وجزرا، وتحولات في المواقف والمواقع، تحول فيها الزمن فانتقلت البوصلة ومعها مركزية الحضارة من منطقة إلى منطقة أخرى، ومن الشرق إلى الغرب في دورات حضارية رفعت أقواما وخفضت آخرين، فيها أخذ التلميذ مكان الأستاذ، ثم تحول الأستاذ لتلميذ، وانشغل كلاهما بالآخر، وكانت لغة الإنكار وجحود الفضل لذويه هي السائدة في أغلب مراحل تلك التحولات كلها.
وإذا سلمنا -جدل- بنظرية الصراع كما يقول هنتنجتون وبرنارد لويس، فإنه من الضروري حين نتحدث عن صراع بين الحضارات، أن نكشف عن موقعه ومصدره وهل هو صراع عقائد وأديان؟ أم صراع أجناس وأعراق؟ أم أنه صراع مذاهب في الدين الواحد؟ أم هو صراع حضارات لا علاقة له بالعقائد والأديان ومذاهبها؟.
وإذا كانت الحضارة هي التطبيق المادي للتراث الثقافي بجملته، فهي من ناحية أخرى وليدة هذا التراث في البيئة التي تقوم فيها، ثم إنها المرآة التي تعكس مقومات ثقافة المجتمع وخصائصه العامة، بما فيه من عقائد وأديان ومذاهب.
ومعنى ذلك أن مصطلح الحضارة يحمل معنى واسعًا، يدخل ضمنه بالطبع مدلول كل هذه الفرضيات.
وبناء على ذلك فهل يمكن أن نحكم على حضارة ما، من خلال ثقافتها فقط..؟.
أم أن الحضارة مجموعة من المعارف المادية والمعنوية، فيها الصواب والخطأ، ومن ثم فلا يمكن محاكمة الحضارة بناء على مكون واحد من مكوناتها..؟.
يقول العلامة أبو الحسن الندوي: "الحضارة بمعناها الواسع: مجموع عقائد ومناهج فكرية، وفلسفات ونظم سياسية واقتصادية، وعلوم طبيعية وعمرانية واجتماعية، وتجارب خاصة، مرت بها الدول الأوروبية التي تزعمت هذه الحضارة في رحلتها الطويلة، وكانت مظهر تقدم العلم البشرى وعلوم الطبيعة وعلم الآلات والعلوم الرياضية، ومجموع نتائج وجهود علماء وباحثين عبر القرون، فكانت مزيجًا غريبًا من أجزاء لا يكون الحكم عليها واحدًا متشابهًا، وكانت مزيجًا من السليم والسقيم، والصواب والخطأ في النتائج والأحكام " ( ).
حضارة أم حضارات؟
وتبعًا لاختلاف الأجناس واللغات والشعوب، هل تختلف كذلك الحضارات..؟ أم أنها تتحد فيما بينها لتكوِّن حضارة واحدة تحمل الطابع الإنساني لجميع البشر، كما يطلق الآن على حضارة الغرب السائدة والمسيطرة في عالم اليوم..؟.
وثمة سؤال آخر: إذا كانت الحضارة واحدة وليست متعددة، فَلِمَ كان الصراع القديم الذي استدعاه وأحياه لنا السيد "صموئيل هنتنجتون" في كتابه المعروف صدام الحضارات؟.
ثم "إن الكوكب الأرضي الذي نعيش عليه، رغم التواصل والتقارب والتفاعل، إنما يشهد وتعيش عليه، وتتعايش عليه حضارات عدة، لكل منها ما يميزها عن غيرها من الحضارات "( ).
ومن غير شك أن الحضارات تتعدد، وأن الإنجاز فيها تراكمي، يبنى على ما قبله ويستفيد منه، ثم يعطى ما يأتي بعده ويؤثر فيه، وأن هذه التراكمية في العلوم والثقافات ومنجزات العقل التكنولوجية لا يمكن أن تنشأ من فراغ، وإنما تتأثر وتؤثر، ومن ثم فقد تشترك الحضارات في بعض الملامح والقسمات العامة، غير أن لكل حضارة خصوصيات تنفرد بها وتميزها على غيرها من الحضارات، رغم العطاء الذي يعطيها الطابع الإنساني العام، وبخاصة بعد ثورة المعلومات التي اخترقت واختزلت حواجز الزمان والمكان.
قانون المد والجزر:
وهذه الحضارات تخضع لقانون المد والجزر، ويجري عليها قانون التغيير، فتخضع في مراحلها المختلفة لعمليات الانتصار والانكسار، والانتشار والانحسار، وبقدر ما تحمل الحضارة من قيم عُليا بقدر ما تبقى وتستمر، وذلك (قانون الحق) الذي وضعه الله تعالى للناس، وكما تسيل أودية الماء بقدرها، تسيل كذلك أودية الحضارات، وبقدر ما تحمل كل حضارة من قيم العدل والكرامة والمساواة والحرية، بقدر ما تكون مناعتها ومقاومتها لعوامل الفناء..
وإذا كان العلماء قد قرروا أن للحضارات مراحل تبدأ فيها عملية الإقلاع بالانطلاقة الروحية باعتبارها الدافع والمحرك والوقود معًا، ثم تصعد وتستقر بنضوج العقل وتوظيف قدراته واستثمار عطاءاته ومنجزاته الفكرية والثقافية والمادية، وتلك مرحلة الشهود الحضاري، فإن أخطر ما يصيب الحضارة بشيخوخة مبكرة تهددها بالتفتت والزوال، هو سيطرة المطامع، وسعار الشهوات، حين ينطلق بغير حدود أو قيود، ومن ثم تبدأ عمليات الانحسار والانكسار في الخط البياني نحو الهبوط والتدني، وهذه هي مرحلة الأفول، ومن ثم تعقبها مرحلة السقوط التي يعجل بها أو يؤجلها مدى القدرة الاقتصادية لهذه الحضارة.
لذلك رأينا السرعة المذهلة في سقوط القطب الشيوعي الذي ظل يمسك بنصف زمام العالم أكثر من نصف قرن من الزمان، برغم وجود دولة وأبوة سياسية، وظَّفت في خدمة هذه الأيديولوجية كلَّ الآليات والوسائل التي تعمل على تشكيل عقليات أغلب سكان المعمورة، ومنها الحديد والنار.
شغـف وشغـب:
وإذا كنا في هذا البحث نتحدث عن الشرق والغرب فهذا يعنى أننا نتحدث عن حضارتين انشغلت كل منهما بالأخرى، وأخذت منها وتلقت عنها، وتأثرت بها وأثرت فيها، واشتبكت معها في عالم الأفكار والقيم، كما اشتبكت معها عسكريا في حروب طويلة بين كر وفر، وانتصار وانكسار، وتمثلت تلك الفترة في الحروب الصليبية قديما، والحروب الحديثة في عصرنا الراهن.
شغف عميق من كل طرف بالطرف الآخر ولكن على نحو مغاير.
ومن ثم فلا غرابة إذا اعترى بعض الباحثين شئ من الإعجاب تتراوح درجاته بين الانبهار والتقليد والتقديس.. بينما يعتري البعض على الجانب الآخر شئ من التجنى، تتراوح درجاته بين الكره والرفض والمقاومة والتقليل من الشأن. ذلك لأن السياسة وبعص مراكز القرار والإعلام في الغرب يمارسون -انطلاقا من أجندة خاصة- دورًا مفضوحا، تركز فيه لا على الإسلام كبديل جيد لبعض القيم التى أضرت بالغرب، بل على الإسلام كبديل عن الغرب كله، ومن ثم تقدمه على أنه تهديد لا هداية، وتصوره على أنه بعث جديد من أعماق الزمان لغزو صحراوي زاحف يهدد الحضارة ويعيد البشرية إلى عهود الظلام والتخلف.
ويلحظ الباحث لما يجرى في ديار الغرب -رصدا ومتابعة-، أن حجم الأكاذيب يفوق أحيانا قدرة الإنسان على العد والإحصاء، ففي داخل الغرف السوداء لدوائر المكر السئ تفرخ الأكاذيب أكاذيب جديدة، وكثيرا ما تلفق القصص وتفبرك الروايات في الصحف والمجلات، فضلا عما تقوم به التكنولوجيا الحديثة، في عالم السمعيات والمرئيات من عمليات قص ولصق، وإذا كان بعض الساسة قد تفوه ببعض الحقائق ونطق بعض الكلمات تطييبا لخاطر المسلمين في زيارة خاصة، أو بعد ضجة كبيرة تحدثها الإساءات المتكررة، فإن ذلك كله "عكس ما تبديه مراكز القرار والأجهزة التابعة لها من وسائل صياغة الرأي العالم بأنواعها بالإضافة إلى الندوات والمؤتمرات والبحوث المختلفة التى تتناول موضوع العلاقة بين الغرب والعام الإسلامي وتحاول تلك المراكز في تفسيرها لطبيعة العلاقة، بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، أن تركز لا على نقاط الالتقاء والمصالح المشتركة وإنما على التناقضات الأساسية والثقافية "صدام الحضارات"، وهو اتجاه يستدعى ظروف الحرب الباردة، ويضع العالم الإسلامي في مواجهة الغرب كعدو بديل، ويتجاهل التغيرات الداخلية في الجانبين، كما ينسى أو يتناسى أصحاب هذا التوجه أن الثقافات والمجتمعات ليست كيانات ثابتة ودائمة ولكنها في حالة من التداخل والمزج والاتصال.
فالغرب لم يعد عالما مقتصرا على الأوروبيين والتراث المسيحي فقط -كما كان قديما- وإنما تمت هجرات متعددة انتقلت معها عادات وتقاليد المهاجرين وثقافاتهم ويوجد في الغرب اليوم عشرات الملايين من المسلمين الذين يحملون جنسيات دول الغرب، واستوعبوا نمط الحياة الغربية، وكان لهم أيضا تأثيرهم في المجتمعات الغربية، فقد أصبحت تقاليدهم وفنونهم وأطعمتهم من العناصر الثقافية في الحياة اليومية الأوروبية.
وكان احتكاك الأوروبيين بالمسلمين في الأندلس من العوامل الأساسية التى لفتت الغرب إلى ضرورة اكتشاف ذاته من جديد، ومحاولة حفظ واستيعاب التراث اليوناني الفلسفي والحضاري، بالإضافة إلى علومهم وحضارتهم التي أبدعوها، وكانت مدخلا أساسيا في النهضة الأوروبية المعاصرة.
ما السر في هذا الشغف وهذا الشغب المتناقض؟
السر أن كل طرف ينظر إلى الآخر على أنه أكثر الأغيار التصاقا بالذات، وأعمقهم تأثيرا فيها، وأشدهم خطرا عليها، فالعلاقة بهذا الآخر تمتد طولا وعرضا وعمقا..
• تمتد طولا في الزمان: لأكثر من 23 قرنا بعد غزو الإسكندر الأكبر لبلادنا، حيث نصبه الكهنة فرعونا على مصر بعد رحلة الحج للمعبد الذى كان يعظمه المصريون، ومن ثم فقد أحبه المصريون وأعلنوا له الطاعة والولاء، واعتبروه واحدا منهم ونصبه الكهنة ابنًا لآمون.
• وتمتد عرضا في المكان: حيث جيوشه كانت قد احتلت البلاد الإسلامية أيام الحروب الصليبية مدة قرنين من الزمان ثم عادت مرة أخرى وهي الآن تتمركز في قواعد لها هنا في أرضنا، ومن قبل كانت جيوشنا في أرضه. وكانت ثقافتنا قد حركت ركوده وأيقظت نهضته وأعادت إليه وعيه من خلال وجودها في صقلية التي حكمها المسلمون مدة قرنين من الزمان (850-1093).
وكذلك الأندلس التى حكمها المسلمون ثمانية قرون وكانت قرطبة وإشبيلية وطليطلة وقرطاجنة عواصم الثقافة والعلم في ذلك الوقت، حتى بدأ الغرب نهضته تلميذا على علماء المسلمين في القرون 12- 14حين ترجم الأوروبيون أمهات الكتب الإسلامية في العلوم الطبيعية والرياضية والتطبيقية والفلسفية وكان لاطلاعهم على الكتب العربية المترجمة عن الإغريقية أكبر الأثر فى تنبيههم إلى أهمية تراث الإغريق.. وقد كان المثقف وطالب العلم الأوروبي يتعلم العربية ويسافر ليدرس في الجامعات الإسلامية الرائدة التى تحمل مشعل العلم والحضارة والنور في كل من قرطبة وطليطلة والقيروان والزيتونة والأزهر ودمشق وبغداد وبخاري وسمرقند حتى كتب روجربيكون الذى يعتبر تلميذا من تلاميذ المنهج العلمى الإسلامي قائلا: إنه لا يتصور مشتغل بالبحث العلمي لا يعرف العربية.
• وتمتد عمقا في حجم التبادل: بيننا وبينه حيث نفطنا وثرواتنا كلها في قلبه وبين أحشائه، بينما منتجاته ومنجزاته تملأ مدننا وبيوتنا وأسواقنا وشوارعنا وحتى غرف نومنا.
ومن ثم فالتاريخ بيننا غزل حينا، وحينا آخر غزوات متبادلة، ومع الغزوات والغزل تحدث الاحتكاكات والتلاحمات والتلاقح الثقافى والعلمى والتكنولوجي، ومن ثم التلاحمات الحضارية التى يتولد عنها قرب وحب يصل أحيانا إلى درجة الذوبان، وأحيانا أخرى بُعدٌ ونفور يصل إلى حالة الرفض والإنكار.
علاقة ذات طابع عجيب وغريب تدفع الباحثين إلى ضرورة البحث في الجذور والأعماق لتلك العلاقة لنستخرج منها تلك الخيوط العصبية الخفية التى توجه الأتباع وتحكم الفكرة والحركة في سلوكهم. لماذا يقبل البعض ولماذ يحجم البعض؟ لماذا يذوب البعض حبا وغراما؟ ولماذا يستعصى البعض كراهية ورفضا؟ وهل ثمة قوانين تحكم الرؤية والحركة في كل طرف؟ أم أنها تراكمات السنين بما تحمله من آلام يتجسد فيها شبح الخوف من ناحية، وشعورالاستعلاء والسيطرة وتبرير المظالم من ناحية أخرى؟
المدار المتناقض هنا وهناك أوجدته مؤسسات ومراكز للقرار في جهة. وفي الجهة الأخرى كان الحرص على ما تبقى لدى الذات من ثوابت القيم دافعا للتقوقع، بغية حمايتها بعدما انكشف السقف الحضارى وتوحش الغول.
عوامل كثيرة تحتاج مؤسسات أبحاث نزيهة لا تخضع لنفوذ الممول، تبحث الأسباب، وتحلل الظواهر في تجرد علمى رصين.
وتحت سحابات الغيم في سماء العلاقة قد لا يرى الباحث نجما يضئ، لكنه بالقطع هناك خلف السحب يكمن في انتظار المكتشفين ليتلألأ، وعندما يشع نور التسامح لذلك النجم سيرى كل طرف في الآخر بعض أجزائه وبعض أعضائه وأبعاضه التى لا يكون كلا بغيرها.
سَيرى كلُّ طرف في الآخر المختلف عنه مشروعا مكملا له ومتمما لوجوده.
وكما ترى الشمس نظيرها في السماء وهو القمر، يرى بعضنا بعضا.
ربما كانت الشمس أقوى وأكبر، لكنها على كل حال تغيب لينوب عنها ذلك الآخر -الذي يشكل في قانون الوجود وفى سماء الله الفسيحة- قمر يضئ.
فهل نأخذ من هذا التكامل عبرة في رؤية بعضنا للبعض الآخر؟.
* * *

الفصل الثاني
الغرب بين جور التعميم
وعدالة الإنصاف
حين نكتب عن الغرب لا يجوز أن نكتب من منطلق الأزمة، وإنما يجب أن نكتب من منطلق العدالة وخبرة التجربة، فمنطلق الأزمة تسيطر عليه العواطف، فتوجه فكر الباحث للبحث عن المثالب والأخطاء والعيوب والنقائص، بينما منطلق العدالة يدفع الباحث لذكر المزايا والفضائل، والناس في الغرب في حقيقتهم بشر من البشر تماما كالبشر في الشرق، فيهم الفطرة التى تحتاج بين الحين والحين لصيانة وإنعاش، وفيهم العقل الحر الذى يدافع بحرارة عما يراه صوابا.. والغرب في حقيقته مليء بالمزايا التي لا يجوز إنكارها، ومن واقع التجربة والعيش فيه، أستطيع بأمانة أن أشهد بأن أهم المزايا هو حجم الحريات المدنية التى يتمتع بها الإنسان هناك، ذلك فضلا عما يوفره القانون من ضمانات الكرامة والمساواة، وفي الشرق الإسلامى من القيم النافعة ما يمكن للغرب أن يستفيد منه، كما أن في الغرب من النظم والترتيبات ما يمكن أن يفيد الشرق ويساعد على نموه وتقدمه، والأهم والأكبر والأخطر من ذلك كله أنه يجب أن يكون هناك اتفاق عام بين الشرق والغرب معا على حماية المشروع الإنساني وألا يسمح لبعض الفئات المجنونة في الشرق أو في الغرب بإسقاط ذلك المشروع الكبير الذي تلتقى فيه وعليه إرادة الناس عامة وعلماء، وإلا تكون كل الأديان وكل النظم القيمية والأخلاقية قد فشلت في أداء رسالتها. لقد حاول اليمين المتطرف في الشرق والغرب معا أن يسقط هذا المشروع واستعمل كل وسائل التغرير والتزوير والتدليس، لكنها انكشفت جميعها أمام الشعوب والبشر، فسقطت أنظمة تمثل هذا اليمين في أمريكا وفي بريطانيا وفى أسبانيا وفى إيطاليا وحتى في أستراليا.. والشعوب هنا لديها قدرة على الفرز ولديها أيضا قدرة على التغيير وقد مارسته بوعى وفي أكثر من بلد، غير أن أهمية هذا المشروع والذي نعتبره بنيان الله في الأرض يحتاج منا إلى جهود أكبر وإلى تعاون أعظم، كما يحتاج إلى مناصرة الخيِّرين والشرفاء أوالأحرار؛ ليكونوا جبهة في مواجهة ما يخطط له اليمين المتطرف المسكون بروح العنصرية الشريرة والذي لا يكف عن محاولات الفتن إثارة الكراهية والإقصاء ونفى الآخر، ومن ثم وجب أن نفتح مع الغرب آفاقا لعلاقة تؤسس على الاحترام المتبادل، وتتجنب الاستجابة لخطة بعض المؤسسات البحثية والإعلامية التى تعمل لإثارة دوافع الكراهية والعنصرية والوقيعة بين المسلمين وغيرهم داخل مجتمعات الشرق أو مجتمعات الغرب نفسه، ومن ثم وجب أن نفرق بين الغرب كشعوب وبين بعض مؤسسات القرار في الغرب نفسه..
وفي السياق ذاته كنت قد أشرت في كتابي "المكون المعرفى ودوره في توجيه الحضارات إلى الإشارة بعدم الشمول في الحكم على الغرب كله، وقلت في هذا الصدد" أنه يجب أن نفرق بين الغرب كشعوب وبين الغرب كمؤسسات للقرار.
الغرب كشعوب ليس لدينا معهم مشكلة، ولا يجب أن تكون، ومن ثم فيمكن تقسيم المجتمع الغربي إلى فئات ثلاثة:

أولا: الغرب المجتمع والناس.
وهؤلاء يستقون معلوماتهم عن الإسلام من خلال الإعلام صحافةً وإذاعاتٍ وتلفازًا، فهم ضحايا كما نحن ضحايا، هم ضحايا التدليس المتعمد والتشويه المدلس من ناحية،
ثم هم ضحايا غيابنا نحن المسلمين في الشرق والغرب عن الحضور والتأثير إعلاميا وسياسيا واقتصاديا، وليس هناك ميدان واحد لنا فيه إسهام مؤثر تجاه تعديل الصورة وإنصاف الحقيقة وإنقاذ هؤلاء.
والأسباب كثيرة ومتعددة وفي مقدمتها انفصال الصلة بين الإسلام والأنظمة في الوطن الأم، ومن ثم فقضاياه وما يجرى له وللمنتسبين إليه ليست محل اهتمام إلا من الجانب السلبى، أى جانب المتابعة والرصد، ومحاولة البحث عن شبهة اتهام، ومن ثم فإن السند الكبيرالممثل في الوطن الذي يجب أن يكون مصدر الحماية تحول إلى مصدر للتخويف والرعب.
ثانيا: فئة المثقفين والباحثين والعلماء
حين نتحدث عن فئة المثقفين والعلماء والباحثين لا بد من التفريق بين تيارين:
• تيار قد وظف ملكاته ومواهبه لخدمة اليمين المتطرف، فهم مثقفون تحت الطلب، وهؤلاء غالبا ما يكون صوتهم أعلى وضجيجهم أكثر وأشد، لكنهم لا يشكلون أغلبية في الوسط العلمي.
وهناك تيار آخر يشكل أغلبية تنظر إلى الأمور بعيون مبصرة، ولم تنطل عليهم الألاعيب التى مارسها اليمين المتطرف من قبل في تبرير حروبه العبثية وقد بدأ هذا التيار في مبادرات للتعرف على الحقائق، بل بدأ بعضهم يكتب كاشفا ما كان يمارسه اليمين المتطرف من وسائل في التعمية على الشعوب وخداعها، ولقد بدأت المكتبات والصحف العالمية في نشر ما يكتبونه من كشف للحقائق.. وهؤلاء لا يكتفون بما يقدمه الإعلام الغربي عن الإسلام، بل يشكون فيه، ويعرفون أن أغلب مايقدم إنما يصدر عن رؤية كارهة ومغرضة ولذلك فهوفي نظرهم يفتقد الموضوعية والحياد، ولهذا فبعض هؤلاء يحرص على القراءة عن الإسلام، ويبحث عن الكتاب الإسلامي باللغة التى يجيدها من المصادر المضمونة والقريبة منه فلا يجده، وربما يحاول تعلم اللغة العربية حتى لا يقع ضحية الفكر المغشوش والثقافة المسمومة، التى تملأ الأسواق عن الإسلام والمسلمين، وقد التقيت بكثير من هؤلاء وتحاورت معهم، وأشهد أن الإنسان الغربي - وبرغم كل مايقال عنه ـ لا زال لديه من رصيد الفطرة ما يمكنه من تقبل الحقيقة إذا عرضت عليه بذكاء، وقدمت له في صورتها النقية، كما أن مساحة الحرية المدنية التى تربى عليها - وإن كانت قد تقلصت كثيرا بعد أحداث11 سبتمبر - إلا أن المساحة المتبقية لدى هؤلاء تجعلهم يدافعون عن الفكرة التى يؤمنون بها، وترتفع أصواتهم في وجه حكوماتهم بالاعتراض، ويستعملون كل الوسائل المتاحة في الضغط، فهم إيجابيون في قضايا الهم العام ولا يكتفون بالفرجة من بعيد كما تفعل بعض الشعوب، وصحيح أن الحكومات ومصادر القرار قد لا تستجيب لبعض تلك الضغوط كما حدث في حرب العراق، غير أن المظاهرات زلزلت تلك الحكومات وشكلت ضغطا عليها، بل وأسقطت بعضها في أقرب انتخابات كما حدث في أسبانيا وإيطاليا وفى بريطانيا وأمريكا وأيضا في أستراليا.
وأذكر أنه في أحد هذه المظاهرات وجدت سيدة مقعدة تجلس على كرسي مخصوص (Wheel Chair) تشارك في تلك المظاهرات، وقد اقتربت من زميل مسلم وقالت له" لا تخف أنا هنا من أجلك أنت، نحن نعرف أنها حرب تجار الموت، ونعرف أنها ليست عادلة، ولذلك جاء كل هؤلاء ليعبروا عن اعتراضهم"
من هنا أقول: نحن حتى الآن لم نستثمر تلك المشاعر، ولا تلك المساحة من الحرية، وحتى هذه اللحظة القنوات الفضائية التى عبرت السموات المفتوحة إلى أوروبا وأمريكا لا زالت تخاطب نفسها، ذلك فضلا عما تحمله للمهاجرين من فن رخيص ومشاكل تضيف إلى غربتهم غربة أخرى نفسية واجتماعية، ويأس في إصلاح أو تغيير، ومن ثم فهى تشكل عبئا ولا تحمل زادا ثقافيا يعين الغريب النائي وهو يسبح ضد التيار ببقايا مقاومة وبقايا دين وهوية. وأعود وأكرر أن الغرب كشعوب ليس لدينا معهم مشكلة أبدا. وحتى محاولات غرب السيطرة وتأزيم المواقف لم تنجح كلها رغم كل أجهزة الكذب التي تروج لها، فشعوب الغرب قد اكتشفت الخديعة وعرفت أن خطط التأمر والعدوان ترتبط بمصالح أخرى هى السيطرة على منابع الثروة، ولا ترجع لحالة الإسلام أو مواقف المسلمين.
وفي استفتاء قامت به كل من جريدة" سيدنى مورننج هيرالد" (Sydney Morning Herald) بالتعاون مع إذاعة ال: B.B.C البريطانية ما بين "نوفمبر 2006 إلى يناير 2007". على عدد من الناس بلغ "28000" ثمانية وعشرين ألف نسمة في 27 دولة من دول العالم حول أسباب الصراع بين الإسلام والغرب وقد نشرته جريدة"
(Sydney Morning Herald)" في عددها الصادر بتاريخ الإثنين16 فبراير2007
وقد وجدوا أن الغالبية تؤمن بأن المصالح السياسية والاقتصادية، وليس الاختلاف في الدين ولا الاختلاف في "التقاليد؟" هي الأسباب في النزاع والعنف الدائر في العالم حالياً، ثم كانت محصلة الاستفتاء ما يأتى:
 52% يرجعون أسباب التوتر بين الإسلام والغرب إلى القوى السياسية والمصالح الاقتصادية.
 58% يرجعون سبب التوتر إلى الأقلية المتشددة من الجانبين.
 29% الاختلاف في الدين والتقاليد.
 26% اختلافات أساسية.
 25% يعتقدون أن التنازع بين المصالح هو السبب الرئيس في التوتر بين الإسلام والغرب.
 29% يعتقدون أن الدين والتقاليد هي سبب هذا التوتر.
وأن الغالبية العالمية يرفضون فكرة الكاتب "صموئيل هنتنجتون" الذي يقول بأنه لا مفرّ من حدوث تصادم الحضارات (ويقصد الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية) بناءً على الدين والتقاليد.
وفي استراليا أظهر الاستفتاء أن:
 68% من الاسترال يلومون الأقلية المتشددة من الجانبين الإسلامي والغربي في خلق هذا النزاع.
 وأن واحدًا من كل عشرة استراليين يلومون المسلمين المتشددين في هذه القضية.
 وأن اثنين من كل ثلاثة استراليين يتفهمون أنه يوجد أشخاص من كلا الجانبين، الغربي والإسلامي على السواء يحبون خلق هذا النزاع. ومن كل الذين اشتركوا في هذا الاستفتاء أكثرمن نصفهم
 56% يعتقدون أنه يوجد أرضية مشتركة للتعايش بين الحضارتين.
 28% فقط يعتقدون أنه ستحدث مواجهة بين الغرب والمسلمين.
وأنه بالرغم من أحداث سبتمبر 2001 وغزو العراق ومحاولة السياسيين الغربيين والإعلام الغربي في إظهار وجود صدام بين الغرب والإسلام، فإن معظم الأشخاص في الاستفتاء ما زالوا متفائلين. وهذه هي الإحصائيات كما نشرتها الجريدة المذكورة" ( ) وهذه هى جداول الإحصاء كما وردت في جريدة (Sydney Morning Herald)" في عددها الصادر بتاريخ الإثنين16 فبراير2007 تحت عنوان: سبب النزاع العالمي بين الإسلام والغرب.

أمة الخلود لا يجوز أن تموت
في التراث الإسلامي العظيم ما يبغض في الكسل وشلل الإرادة والغفلة عن مجريات الأمور والغياب عن الواقع من ناحية. وفيه أيضا ما يحفز إرادة المسلم على النهوض والشهود الحضارى من ناحية أخرى، ففي كتاب الفردوس بمأثور الخطاب للإمام الديلمي، جاءت دعوة إلى التكامل والارتقاء تقول: (من استوى يوماه فهو مغبون،ومن كان غده شرا من يومه فهو ملعون، ومن لم يتفقد النقصان في عمله كان النقصان في عقله، ومن كان النقصان في عمله وعقله فالموت خير له من حياته) ( ).
وقد أردت أن أبدأ بهذا الحديث ونحن نتحدث عن الحوار الذي يشكل حلقة للتواصل مع الآخر في ظروف تبدو فيها الأمة الإسلامية بغير حراك من أي نوع سياسي أو علمى أو اقتصادى، فالعالم يدور ويموج وأمة المسلمين ساكنة.
وسكون الأمة يؤدي إلى فراغ ثقافى وفكري ينتج عنه غياب عن المشهد الحضاري يستغله بالطبع آخرون نشطاء أغنياء أذكياء وخبثاء أيضا. هذا المشهد المؤلم يذكرنا بكتاب للعلامة أبى الحسن الندوى والمعنون بعنوان: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"
ولكنى وسط هذا الألم أكاد أشد بيدى ضوء الصباح من الدجى، وأومن بيقين أن خلف هذا الليل فجر، ومن ثم فقد أردت أن أذكر بأن هذا السكون طارئ وليس هو الموت كم يشيع البعض، فبرغم الضعف والسبات المصحوب بحالات التخلف والعجز والتبعية الممقوتة -إلا أن أمة الإسلام ليست أمة تقف في مهب الريح لا جذور لها، إنما هى أمة لديها رصيد ضخم وعظيم، حرك الدنيا وغير التاريخ، وأعاد للوجود رشده وحرارة الحياة، وهذا الرصيد الملزم لا يمنع المسلمين من الاستفادة من تجارب الآخرين وحكمتهم، ولا يحول بينهم وبين النظر في معطيات الحاضر والأخذ منه، ومن ثم فهو يعتبر الحضارة تراكمية،ويؤمن بأن تجارب الآخرين رصيد ملزم لأتباعه.
ثالثا: الغرب كمؤسسات ومراكز للقرار
علاقة الشرق والغرب علاقة ذات خصوصية حيث اختلط فيها تاريخ الاستعمار بجغرافية الدول، وكان ترسيم الحدود بين أوصال الوطن المقطع والمجزء واحدا من أهم العوامل التى جعلت هذا الترسيم حقل ألغام للخلاف بين الدول، ومن ثم فلا مشكلة بين دولة وجيرانها في الشرق إلا وراءه سبب من هذا الترسيم والتقسيم.
وكما اختلط تاريخ الاستعمار بجغرافية المكان، مرت أيضا تلك العلاقة بمرحلة تداخلت فيها الرغبة في حصول البلاد المحتلة على استقلالها عن طريق الحوار والمفاوضات مع المقاومة بأسلحة شتى جمعت بين الفكر والفن وبين المقاومة المسلحة، ودفعت البلاد المحتلة ثمنا باهظا من دماء أبنائها وحرياتهم عبر الأجيال حتى حصلت على اعتراف من دول الاحتلال باستقلالها، تاريخ طويل يحكى تجاهل القوى لحاجات الضعيف، وتنكر الأقوى لحقوق الأضعف، واستمرت ظلال هذا التجاهل تسيطر على وجدان البعض حتى اعتبروا أن أول حقوق الآخر ألا يكون له في الأصل حقوق، ولعل هذا هو الشعور السائد تجاه أصحاب الحق وأصحاب الأرض الحقيقيين في فلسطين، فالكل يتحدث عن أمن الاحتلال بينما لا يشير أحد عن أمن المساكين الذين شردوا من ديارهم، ولا زالت أرضهم تجرف وتغتصب، ومزارعهم تتلف بمحاصيلها، ومياههم تسرق، وبيوتهم تتعرض مع كل لحظة للتدمير والهدم، عيون مفتوحة في الغرب على أمن إسرائيل تشير إلى ذلك بمناسبة وأحيانا بغير مناسبة كلما تحدث مسؤول غربي، بينما تتعامى تلك العيون ذاتها عن المظالم التى تنزل بذلك الشعب المحتل والمشرد، يتحدثون عن معاناة جندي أسير، بينما لا يذكر أحد ما يزيد عن اثنى عشر ألف أسير، بعضهم نساء وأطفال وشيوخ في سجن الاحتلال.
علاقة الشرق بالغرب علاقة تحمل الكثير من المعاناة والآلام المحزنة، ومراكز القرار هناك لا زالت تمارس المعايير المزدوجة وتدير ظهرها لأصحاب الحق الأصليين.
وإذا كان البعض يعتبر دول الشرق بالنسبة للغرب كالبقرة الحلوب تدر من ضرعها سمنا ولبنا، ثم تذبح وتؤكل بعد سلخ جلدها ورمي عظامها، فإننا لا نوافق على النظر إلى تلك العلاقة بهذه الصورة، خصوصا إذا كنا نحاول بالحوار والحسنى اختراق الثقب الأسود في تلك العلاقة، ومن ثم فلا بد على الأقل من التزام الموضوعية والتحلى بصفات العدالة التى نعانى من غيابها في تلك العلاقة، وبناء عليه فلغة الحوار يجب أن تتجنب نقاط الصدام والتقاطع، وألا تقع في شراك ثقافة الأزمة، تلك التى تنطلق من ردود فعل الإحساس بالمظالم والمعاناة، فتحرص -ولو باللاشعور- على الخصومة والكراهية، فيكون التعميم وخطاب التقاطع هما السمتان البارزتان في توصيف تلك العلاقة.
ولقد أثبتت تجارب الواقع أن الغرب ليس كله في سلة واحدة، وأنه لا يصح أن نقع في خطيئة التعميم، لأن ذلك يجعلنا نخسر مساحة ضخمة على مستويين:
المستوى الأول: عموم الناس، وقلوبهم بالخير مملوءة وأيديهم بالسلم مبسوطة.
والمستوى الثانى: هو مستوى المثقفين والأكاديميين، وعيونهم على الحقائق تحاول استكشافها، وقد أغضبهم ذلك الخداع الذي حاول استغلالهم، ومن ثم فهؤلاء وأولئك ضحايا كما نحن ضحايا، هم ضحايا الإعلام بما يثيره من أفلام الرعب حول الإرهاب الإسلامي وحكايات الغزو الصحراوي واغتصاب الضحايا وسلخ جلود الكفار وأكل لحوم البشر من قبل جماعات القاعدة وطالبان كما يصور الإعلام.
ثم هم ضحايا مرة أخرى لغياب المسلمين عن الساحة وغياب دورهم في تصحيح الصور المشوهة ورد الأكاذيب.
وكثير من هؤلاء وأولئك جادون في البحث عن الحقيقة خصوصا بعدما فقدوا الثقة في مراكز القرار، ومن ثم وجب علينا كعرب وكمسلمين أن نساعدهم على معرفة الحقائق، وأن نوفـر لهم المصادر الأمينة والموثقة ليتعرفوا من خلالها على ديننا وثقافتنا وقيمنا، وبذلك يمكن أن نحقق مع كلا المستويين قدرا من التفاهم يتحولون به من الحيادية إلى الدعم والمساندة في مواجهة الغرب كمؤسسات للقرار.
والغرب كمراكز للقرار ذكي جدا في اختيار الأعداء وتوزيع الأدوارعلى الأصدقاء، ولئن قرأنا عن نماذج في الغرب من الكتاب والمفكرين ترفض الصراع ولا تثق في مراكز القرارخصوصا بعدما فقدت تلك المراكز مصداقيتها فيما طرحته من مفاهيم حول الحرب على ما يسمى بالإرهاب وأسلحة الدمار الشامل ونشرالديموقراطية، وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من الشعارات التى لم تكن سوى سواتر يبرر بها عدوانه ويحقق بها أطماعه، فإن لدى الغرب مؤسسات بحثية ترتبط به وتنطلق من أجندته الخاصة، ومن ثم فهى تنطلق منذ البداية من منطلق الانتقاء في اختيارها للعينات والصور وحتى الأحداث التاريخية لتكون دليلا على صحة الاستنتاج الذي يصل إليه البحث المطلوب..
توزيع الأدوار:
لم تكن نظرية فرنسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ ونظرية صموئيل هنتنجتون عن صراع الحضارات، وكتابات برنارد لويس وغيرهم في تأجيج الصراع إلا رجع صدى لما تضمنته أجندة مراكز القرار والمؤسسات التابعة لها.
في مقدمة الباحثين الذين أقروا بذلك وصرحوا به رجال لهم حضورهم في عالم الفكر والثقافة ليس على مستوى الشرق فقط، وإنما على مستوى العالم وبعضهم كان يوما في موقع صناع القرار وفي قلب الأحداث في الغرب ذاته.
اعترافات القادة:
وحتى لا يقول قائل أننا نتجنى عليهم أو نبالغ في حجم أجندتهم نحيل القارئ إلى المجلة البريطانية "شؤون دولية" وهي مجلة متخصصة موزونة الاتجاهات" حيث نشرت في عددها الصادر في يناير1990 "مقالاً يكشف عن روح العداء للإسلام وأهله جاء فيه " لقد شعر الكثيرون في الغرب بالحاجة إلى اكتشاف تهديد يحل محل التهديد السوفييتى، وبالنسبة لهذا الغرض فإن الإسلام جاهز في المتناول"
ولسوء حظ العدو الموهوم، كان عليه أن يتحمل مسؤولية كم هائل من الضغائن والأحقاد القديمة، حملتها صدور غيره، ولم يكن هو سبب في وجودها يوماً ما، هذه الضغائن والأحقاد عبرت عنها رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، حين قالت عقب سقوط الكتلة الشرقية "الآن انتهى الغرب من العدو التاريخي وبقي العدو الأزلي"، وحين سئلت إبان حرب الخليج في بداية التسعينات عن العدو الأزلي لم تكن في حاجة إلى التفكير وإنما أجابت بتلقائية ودون تردد: "الإسلام طبعا".
وبذلك يتخلص الغرب من المنافس الاقتصادي والبديل الحضاري، وينتهي من هذا العدو الأزلي لتخلو له الساحة مرة أخرى، بعدما خلت من قبل بسقوط الشيوعية، ويتمكن من بسط نفوذه وسيطرته على كل منابع الثروة بغير منازع، وفي نفس الوقت يكون النموذج العراقي جاهزاً للتطبيق في أي وقت وفي أي مكان، وتصبح العصا والجزرة وسيلة الإغراء والردع أمام أي شاة شاردة وعليها أن تختار.
والوسائل إلى ذلك حملات متنوعة بعضها ثقافي وفكري وبعضها عسكري، وأغلبها وأكثرها شراهة وتشويها للصورة الإسلامية في أي نمط من أنماطها هي الحملات الإعلامية، ولقد اعترف بذلك صراحة قادة الفكر وقادة الجيوش العسكرية، فإدوارد مورتيمر يعترف قائلا: "إن الإسلام مقاوم للعلمنة، وسيطرته على المؤمنين به أقوى الآن مما كانت قبل مائة سنة مضت، ولذلك فهو -من بين الثقافات الموجودة في الجنوب- الهدف المباشر للحملة الغربية الجديدة، ليس لسبب سوى أنه الثقافة الوحيدة القادرة على توجيه تحدٍ فعلي وحقيقي لمجتمعات يسودها مذهب اللاإرادية وفتور الهمّة واللامبالاة، وهي آفات من شأنها أن تؤدي إلى هلاك تلك المجتمعات مادياً، فضلاً عن هلاكها المعنوي".
وكانت تصريحات "ويلي كلايس" الأمين العام لحلف الأطلنطي في منتصف تسعينات القرن العشرين دليلا آخر على العداء القديم وسوء النية، حيث أعلن أن الإسلام هو العدو الذي حل محل إمبراطورية الشر الشيوعية".
ومن ثم كان الانتشار الواسع لمصطلح " صراع الحضارات".
وإذا كانت تصريحات مارجريت تاتشر ومورتيمر وويلى كلايس تمثل رؤية وعقيدة الغرب كمؤسسات للقرار، فقد تلاقت تلك العقيدة مع رغبة خبراء الرعب الجدد وهم مجموعة من الأكاديميين الذين انتقتهم أجهزة الإعلام ومراكز القرار في الغرب وسوقتهم باعتبارهم خبراء في الشأن الإسلامي ومختلف تأثيراته على الحضارة الغربية المعاصرة، وكلما تعلق الأمر بالإسلام أوالمسلمين جيئ بهؤلاء الذين لا يتعاملون مع الدين الإسلامي باعتباره دينا كباقي الأديان، وإنما كحضارة ينبغي أن تدرس وفق نظرية هنتنتجنتون حول صدام الحضارات،أطروحات خبراء الرعب الجدد هؤلاء تساهم في إشاعة جو من الريبة والكراهية تجاه كل ما له علاقة بالدين الإسلامي.
وإذا كان هؤلاء يساهمون بشكل كبير ومباشر في تشويه الصورة فإن الغرب كمراكز للقرار لن يعدم بعض الأقلام الناشزة تتمثل في مجموعة من الأسماء التي تتكرر باستمرار، وكأن الدنيا كلها خلت ممن يعرف الإسلام غير هؤلاء، ومبالغة في الاهتمام بما يقولونه أو يطرحونه تضفى عليهم وسائل الإعلام صفاة الحماة لقيم حرية التعبير والديموقراطية والحداثة وما إلى ذلك من القيم الإنسانية، ثم يستعملونهم رأس حربة، ويشكل الغرب منهم مرجعا مثاليا لتحقيق الهدف ورسم الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين وفق منطق شهد شاهد من أهلها, وخطاب هؤلاء لا يتعامل مع الإسلام باعتباره دينا كباقي الأديان يحمل قيم الخير والعدالة والإنسانية، وإنما يتعاملون معه من خلال رؤية معكوسة تعمل بإلحاح على ترسيخ صورة نمطية جامدة ترفض الآخر وتضع الإسلام والمسلمين في موضع المتربص والمهدد لروح المدنية المعاصرة، وما تحتويه وتتضمنه من حقوق في مجال الحرية الفكرية، ومن ثم فكل حديث عن الإسلام يحيل بشكل مباشر إلى مصادرة حق التعبير وحقوق المرأة وهضم حقوق الأقليات، كما تستحضر فيه صورة المثقف المهدد من قبل التطرف الإسلامي "سلمان رشدي وتسنيمة نسرين" وهكذا يصبح كل حديث عن الإسلام تكريس لثقافة الكراهية والمصادرة وثقافة الذكورة كما يسمونها.
دور الآلة الإعلامية في تأجيج الصراع:
وإذا كانت هذه التصريحات لا تعكس فقط وجهة نظر مراكز القرار تجاه الإسلام دينا وتاريخا وحضارة وأتباعا، وإنما تعكس أيضا عقيدتهم، فإن المنظومة الإعلامية بكل ما تملك من تقنيات لصناعة الكذب وتسويقه عملت عملها في تهيئة المناخ وتجهيز النفوس وشحن الرأي العام بطاقة من الخوف الممزوج بالغضب يتولد عنها ما يعرف بالإسلام فوبيا الأمر الذي يسوغ القبول شعبيا ما تقدم عليه مراكز القرار هناك من عدوان على الشعوب المسلمة باعتبار ذلك وسيلة للتخلص من هؤلاء الأشرار البرابرة الذين يسمّون بالمسلمين ويعتقدون في إله الخراب الذي يعبدونه، وعندئذ يكون للانتقام ما يبرره، ويصبح سحق هؤلاء ضرورة لحماية السلام العالمي يفرضها مجلس الأمن، ويقوم على تنفيذها بأيد طليقة وعدالة مطلقة البطل الواحد والوحيد، وكلما أرادوا أن يتدخلوا في الشأن الخاص لأي بلد لا مانع من التذرع بذريعة نشر القيم الديموقراطية كثوب رجراج وفضفاض وهنا يبدو التناقض واللا أخلاق في عالم السادة الكبار، فهم الذين يحمون نظم الاستبداد في العالم طالما ظلت على ولائها لهم، وهم الذين يسكتون قرونا على عمليات إبادة قامت بها تلك النظم ضد شعوبها، فإذا فكرت أن تخرج عن دائرة الولاء وأرادت أن تتمرد على أخلاق القطيع التى رسمها السادة الكبار لوحوا لها بعصا التدخل من أجل فرض الديموقراطية وحماية الشعوب من القهر، ومصادرة الحريات، وبذلك سكتت مؤسسات القرار عما فعله بوريس يالسين من ضرب للبرلمان بالدبابات وسكتت عما فعله روبرت موجابى لمدة ثلاثين سنة، وسكتت عما فعله بعض الحكام العرب بشعوبهم مددا تتراوح ما بين الثلاثين والأربعين سنة، بل لم تكتف بالسكوت المر وإنما ساعدت تلك النظم على قمع شعوبها يوم أن تمردت تلك الشعوب على القهر والظلم والاستبداد، وأمدت الحاكم بكل وسائل القمع وتدخلت بطائراتها لتفرض الحصار على تلك الشعوب وتمكن للنظم المستبدة من أن تفعل ما يحلو لها. ولم يحدث ذلك في العالم العربى أو الإسلامي وحده وإنما حدث في هاييتى وجواتيمالا والسلفادور وغيرها.
دور الأكاديميين في تأجيج الصراع:
لقد لاحظ الباحثونفي أوروبا وأمريكا وكثير من البلدان الأخرى أن لدى الغرب كمراكز للقرار منظومة إعلامية تتعمد تشويه الآخر وتحط من قدره، وتحاول إشاعة الخوف منه وتلصق به أبشع الاتهامات، ولاتكف عن الهجوم عليه، واستعداء الشعوب ضده، ولم تكن أحداث 11 سبتمبر هى المفجر لهذا العداء وإنما كان العداء ظاهرا في كثير من الكتابات والتعليقات وحتى القرارات ولكنه كان عداء مغلفا بغشاء رقيق من الدبلوماسية وغطاء هش من حرية التعبير والإبداع والبحث العلمى، ولم تكن قوافل الميديا في الساحة وحدها وإنما كان خلفها من يقدم لها الدعم والمساندة والتأييد ويمدها بالدعم اللوجستى في مجال المعلومات، كتيبة من الأكاديميين تقربهم مراكز القرار وتمولهم جهات استخباراتية، وتمكنهم من نشر آرائهم التى تساعد على تبرير العدوان وتأجيج نيران الصراع والكراهية، وبدرجة فاقت حتى حدود الشعارات المرفوعة في الغرب نفسه عن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وكان في مقدمة تلك الكتيبة من الأكاديميين هنتنجتون ذلك الرجل الذي تنضح كتاباته بتأجيج نيران الصراع وخلق الفتن السياسية التى تدفع لتقسم العالم وتدعو للصراع والتصادم ولا تكف عن كل دعوة توقد نيران الحروب ولوسلك في سبيل ذلك كل وسائل الخداع وتضليل الرأى العام فهو يقول تحت عنوان " عالمان نحن وهم "
ليس هناك إلا الأصوليون الأكثر تطرفا الذين يرفضون التحديث والغربنة، وينقل عن داييل بايبز حول المسلمين قوله: "إنهم يرمون بأجهزة التليفزيون في الأنهار، ويرفضون ساعات اليد وينبذون محركات الاحتراق الداخلي، إن عدم عملية برامجهم عرقلت إلى درجة عالية دعوة مثل هذه الجماعات " ( ).
ثم يقول "بينما التوقعات عن عالم واحد تبدو في نهاية الصراعات الكبرى فإن الميل في شكل وجود عالمين يعود إلى الأذهان عبر التاريخ الإنساني، فالشعوب دائما تحت طائلة الإغراء بتقسيم البشر إلى نحن وهم، جماعتنا والآخرين، حضارتنا وأولئك البرابرة، وقد عمل الباحثون على تحليل العالم في شكل الشرق والغرب، الشمال والجنوب، المركز والهامش، لقد درج المسلمون تقليديا على تقسيم العالم إلى دار السلم ودار الحرب، هذه التفرقة انعكست ولكن بمعنى مغاير في نهاية الحرب الباردة على أيدى بعض العلماء الأمريكيين الذين قسموا العالم إلى مناطق السلام "ومناطق الفوضى" الأولى اشتملت على الغرب واليابان الذى حوى تقريبا 15% من سكان العالم، والثانية احتوت بقية العالم ( ).
"إن التقسيم الثقافي الثنائي للعالم لا يزال محدود الفائدة: عند مستوى معين فإن الغرب يشكل كيانا ومع ذلك، ماذا تمتلك المجتمعات الأخرى غير الغربية عموما فيما بينها عدا الحقيقة بأنها غير غربية؟ إن حضارات اليابانيين والصينيين والهنود والمسلمين والأفريقيين تتقاسم القليل في شكل الدين والتركيبة الاجتماعية والمؤسسات والقيم السائدة. إن وحدة العالم غير الغربي وثنائية الشرق والغرب هي من الأساطير التى ابتدعها الغرب. إن هذه الخرافات تعانى من مثالب الاستشراق الذي كرس "التفرقة بين أوروبا، الغرب " وبين الغريب " الشرق.وعلى اعتقادهم الضمنى في التفوق الموروث للأول على الثاني" ( ).
"وإلى حد كبير كما لاحظ جوفرى باركر " إن نهوض الغرب الذي اعتمد علة ممارسة القوة كان على أساس الحقيقة التى تمثلت في أن توازن القوى بين الأوروبيين وخصومهم وراء المحيطات كان دائما في صالح الأوروبيين.
إن العامل الرئيسى في نجاح الغربيين في خلق أول الأمبراطوريات العالمية بحق فيما بين 1500 - 1750 اعتمد بالتحديد على تلك التحسينات في القدرة على شن الحروب والذى أطلق عليه اصطلاح "الثورة العسكرية " التوسع الغربي سهله أيضا التفوق في تركيب وتنظيم وتدريب الجيوش. لقد تغلب الغرب على العالم ليس من خلال تفوقه في الأفكار أو القيم أو الديانة، " التى تحولت إليها أعداد قليلة من حضارات أخرى" ولكن بسبب تفوقه في تطبيق العنف المنظم. الغربيون غالبا ماينسون هذه الحقيقة أما غير الغربيين فلا" ( ).
وتطورت الأمور وظهر تيار يطلق عليه البعض تيار "مستودعات الأفكار"، " وهى مؤسسات ذات تمويل خاص موجهة إلى إنتاج ونشر معرفة مصممة لتزويد السياسة العامة بالمعرفة، والتأثير عليها، وبالنسبة لأغراضنا هنا كانت خدمة السياسة الخارجية أساسا وكان هذا التيار على أتم استعداد لتلبية الطلب.
وبعد الحرب العالمية الثانية دخل المجال مقاولون كبار مثل شركة راند الضخمة لإنتاج أو تمويل أبحاث للجيش والمخابرات ووكالات حكومية أخرى معنية بالسياسة الخارجية. وشهدت موجة جديدة بدأت منذ الستينيات إقامة عدد كبير مما أسماه أحد المراقبين مستودعات الأفكارالتى تخلق حججا للدفاع عن سياسة ما مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤسسة التراث ومعهد كاتو" ( ).
ولعبت تلك المراكز أدوارا رئيسة في تدعيم دور إسرائيل وإقناع مراكز القرار هناك بأن مفتاح أمن الغرب ومصلحته هو أمن إسرائيل وتحقيق أهدافها.
"عمل إنديك وزملاؤه فى وينيب بجد لتقوية موقف إسرائيل فى واشنطن باعتبارها الحليف الأساس للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط ولضمان توافق سياسة الولايات المتحدة فى المنطقة مع سياسات واستراتيجيات الحكومة الإسرائيلية. وأثناء أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات كان هذا يعنى محاولة إحباط اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية ووقف ضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لايقاف نشاط الاستيطان فى الضفة الغربية وغزة، والدخول فى مفاوضات جادة. وفى التسعينيات وسعت(وينيب) مجال نشاطها ليشمل الشرق الأوسط بمجمله ولكن بؤرته ظلت دائما على إسرائيل حيث حاولت أن تبنى دعما لها بالقول بأن إسرائيل والولايات المتحدة يواجهان تهديدا مشتركا من الجذرية والإرهاب الإسلاميين وعرفتهما تعريفا واسعا بشدة ليتضمنا فعليا كل أعداء إسرائيل دولة كانت أو غير ذلك. وفى أواخر التسعينيات وأوائل هذا القرن بدأت مستودعات أفكار أخرى فى إجراء بحوث ودفاعات بشأن قضايا الشرق الأوسط أو زادت نشاطها فى هذا المجال. ومن هذه المستودعات مركز حايم سابان لسياسة الشرق الأوسط الذى أسسته مؤسسة بروكينجز فى 2002 ومعهد المشروع الأمريكى المحافظ وكذلك عدة مستودعات أفكار يمينية جديدة.
وفى عهد إدارة كلينتون خدم عدد معتبر من خريجى ( وينيب) فى مناصب رئيسة فى السياسة الخارجية بما فيهم مارتن إنديك نفسه" ( ).
وهكذا شهدت السنوات الأولى من القرن الحادى والعشرين تقاربا غير مسبوق فى المواقف بين القوة العظمى لمتعصبى الجناح اليمينى فى واشنطن ( وفى بعض الأحيان الأصوليون المسيحيون) واليهود الأمريكيين المحافظين الجدد توحدهم رؤية مشتركة ترمى لتأمين هيمنة أمريكية عالمية دائمة غير مسبوقة مع تركيز قوى على الشرق الأوسط واحتضان لصيق لإسرائيل، وأن تتحقق هذه الرؤية بالقوة العسكرية إذا كان ذلك ضروريا. كانت الحرب على العراق بمعنى ما مشروعا تجريبيا لهذه الرؤية الجذرية. أو كما نقل عن مايكل لدين ( كان فى 2003 (باحثا مقيما فى كرسى الحرية).
فى مؤسسة المشروع الأمريكى وعضوا دائما لمدة طويلة فى أوساط نشطاء السياسة الخارجية اليمينية أنه قال بشكل فج ولكنه لا يفتقر إلى الدقة ( كل عشر سنوات أو نحو ذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى التقاط دولة صغيرة قذرة ما وتقذف بها نحو الحائط فقط لكى نبين للعالم أننا جادون حقا).
وبشكل أكثر تحديدا اعتبر أن العراق الغنى بالبترول المعاد إنشاؤه قاعدة ثمينة جديدة لسلطة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط بما يمكنها من إنهاء علاقتها الإشكالية بالسعودية وإجبار العرب ( بما فيهم الفلسطينيون) على إقامة سلام مع إسرائيل وفقا لشروط الأخيرة. أما كون الغالبية العظمى من المجتمع الدولى بما فيه الكثير جدا من الأمريكيين رفضوا بشدة استعمال القوة العسكرية لتحقيق هذة الرؤية فأمر لم يكن يعنى شيئا بالنسبة لأنصارها" ( ).
بعد 11 ديسمبر مباشرة دعى برنارد لويس إلى لقاء مع الرئيس بوش ونائب الرئيس تشينى و أعضاء مكتب سياسة الدفاع الذى يلعب دورا محوريا داخل وزارة الدفاع وقدم لهم فهمه للشرق الأوسط والعالم الإسلامى والدور الذى تستطيعه الولايات المتحدة ويجب أن تلعبه فيهما. وفى هذه المناسبة أقر لويس استعمال القوة العسكرية الأمريكية للإطاحة بنظام صدام حسين وأكد لمستمعيه أنه بعد تحقيق ذلك ستتمكن الولايات المتحدة بلا صعوبة تذكر من إعادة سبك العراق ليصبح بلدا ديمقراطيا ويفيد كمرشد و نموذج للمنطقة كلها كما طرح رؤيته الأوسع للتاريخ الإسلامى فى كتابه: أين الخطأ؟: التأثير الغربى ورد فعل الشرق الأوسط" ( ).
ولم تكن تلك الكتابات وحدها، بل إن البعض ذهب بعيدا ليدلل على أن الذكاء الإنسانى قاصر على الجنس الأبيض، وأنه يتمتع بنقاء الدم الذى يؤهله لقيادة الدنيا، حتى تجرأ بعضهم وطرح رؤية عنصرية قديمة تدعى نجابة الجنس ونقاء العرق وتقسيم الناس بناء على ذلك إلى سادة يجب أن يسيطروا ويسودوا، وإلى عبيد عليهم أن يخلصوا في خدمة السادة ليلا ونهارا، والويل لهم إن تمردوا أو طالبوا بحقوق آدمية.
ففي كتابه الصادر في سنة 1921م: بعنوان" المد الصاعد للون ضد السيادة البيضاء على العالم"
"The Rising: Tide of Color against White supremacy"
يقرر الصحفي الأمريكي لوثروب ستودارد" l0throp Stoddard
صلاحية الجنس الأبيض للسيادة على العالم فيقول:" من ظلال ما قبل التاريخ برزت العناصر البيضاء إلى المقدمة، وأثبتت بطرق لا تحصى صلاحيتها للهيمنة على النوع البشرى. لقد شكلوا بالتدرج حضارة مشتركة، ثم حين أتيحت لهم فرصتهم الفريدة للهيمنة على المحيطات قبل أربعة قرون، انتشروا في كل أنحاء الأرض فملأوا أماكنها الخالية بذريتهم المتفوقة، وضمنوا لأنفسهم التفوق في العدد والسيادة...وأخيرا توحد الكوكب تحت هيمنة عرق واحد بحضارة مشتركة" ( ).
يقول لوكمان زكارى: "لقد تشكل في مناخ من التراجع عن شمولية التنوير عند كثيرين في أوروبا والتأكيد الجديد على نجابة الدم وتفوق الجنس والفوارق بين الشعوب والحضارات في هيكلية جديدة للتقدم البشرى يوضع فيها الغرب الحديث على القمة وبنهاية القرن التاسع عشر استكمل هذا المنظور بصور أكثر خبثا بكثير عن كيفية انقسام البشرية حيث بدأ بعض المفكرين الأوروبيين والأمريكيين يرون بتأثير تفسير مغلوط معين لنظرية تشالز دارون عن نشوء وارتقاء الأنواع كنتيجة للانتقاء الطبيعي وبتأثيرالمسيرة الظافرة للاستعمار الأوروبي أن تفوق الغرب الثقافي والسياسي ليس ببساطة نتيجة القيم والمؤسسات المتفوقة لتلك الحضارة، -والتى ربما تستطيع الشعوب غير الغربية بالإرشاد السياسي أن تستوعبها في النهاية - وإنما هي بالأحرى نتيجة للصفات البيولوجية الفطرية المتفوقة للعنصرالأبيض - الذي سمي غالبا "الآري" أو القوقازي" ووفقا لهذه الرؤية التي أصبحت مقبولة على نطاق واسع عند علماء ومثقفين محترمين، وشكلت جانبا كبيرا من البحث الأكاديمي، تكون البشرية منقسمة بشكل طبيعي إلى جماعة بيولوجية متميزة، ومرتبة بشكل هرمي بين أعراق رفيعة وأخرى دنيا".
ولا عجب أن معظم سكان أفريقيا وأسيا قد اعتبروا منتمين إلى أعراق متخلفة بيولوجيا، أقل بطبيعتها من العرق الأبيض في الذكاء والقدرة على إقامة حضارة، وهونظام للتصنيف جعل الحكم الاستعماري يبدو بالطبع طبيعيا وحتميا".
* * *

الفصل الثالث
دور المصطلح في صناعة الأفكار وصياغة العقول
حديث العالم اليوم يدور بين طرفين:
طرف يتحدث الناس فيه عن صراع الحضارات، وصراع الثقافات، ومحور الشر والحروب الدينية.
وفي الجانب الآخر يدور حديث حول حوار الثقافات، وحوار الحضارات، وحوار الأديان بدلا من الصراع.
ومصطلح الشرق والغرب من المصطلحات التى تأخذ مكانها في ذهنية المتلقى من موقع التضاد والتناقض، وربما كانت حمى الحديث عن الصراع هى التى وضعت المصطلح في هذا الموضع.
فإذا أضيف الإسلام بديلا عن الشرق في دلالة المصطلح ليصبح "الإسلام والغرب" زادت حرارة الجو وامتلأ المناخ بالتربص وسوء الظن، وبدا -ربما على استحياء- حديث عن الصدام والعدائية، وأحيانا يظهر بشكل سافر ليعبر عن الاتهام الدائم من كل طرف للطرف الآخر، ومع أن الحقيقة على مستوى التاريخ والواقع تؤكد دوما أن الإسلام - والمسلمين تبعا له- هم الضحايا دائما، إلا أنه وبرغم الحقائق التى يؤكدها التاريخ والواقع، فلم تتوقف الهجمات على الأمة الإسلامية منذ فجرتاريخها "ولم تتعرض أمة من أمم الأرض لهجمة تستهدف عقيدتها وهويتها، وكم من الأذى النفسى والاجتماعي والاقتصادي والسياسي مثلما تتعرض الأمة الإسلامية في زمنها الراهن زمن الغفلة والانكسارات.
وهذا الأذى لم يتوقف يوماً، ولم يأت من طريق واحد، وإنما كان ولا يزال يسلك إلينا كل طريق ويحاول الدخول علينا من كل باب. وصدق الله العظيم إذ يقول:(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)(آل عمران: 186).
ونشهد أن بعض الطوائف في الغرب والشرق لا تريد للدنيا أن تستريح من أعباء الصراع وويلات الحروب ومن ثم فهم يوقدون جذوة الصراع كلما خبتت ويشعلون نيران الحروب كلما انطفأت مستغلين في ذلك ما حققته التكنولوجيا الحديثة في صناعة الآلة الإعلامية وفن الدعاية، وما تنتجه مصانع الكذب لدى الغرب في تشويه الحقائق وفرض ذاكرة مزيفة للتاريخ تجمع فيها صورا مشوهة لتقدمها، وكأنما هي الإسلام الذي يعادى الحضارة ولا يتعايش مع الآخر ويعلن الحرب على كل ما هو غربي المنشأ والميلاد، وقد نجحت تلك الدعاية في السيطرة على مساحة كبيرة من عقول ووجدان أبناء الغرب.
وكما يقولون: الدنيا إذا أقبلت على أحد أضفت عليه محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
ولما كانت الدنيا مدبرة عن المسلمين اليوم، فإن مجتمعاتهم تعيش مرحلة الاستلاب الحضاري، ومن كان بالأمس تلميذا لهم يتعلم منهم ويتلقى عنهم، هو اليوم يتنكر لهم وينسى فضلهم، ومن ثم فقد نشأ تيار حديث في مجال البحث العلمى في الغرب يحاول التنكر لتراث المسلمين العلمي والحضاري وأثره في نهضة الغرب، كما يحاول إسدال الستار على العطاء العلمى لعمالقة الإسلام بداية بابن سينا والفارابى وابن رشد والغزالى والبيروني وغير هؤلاء، والذين يدرسون اليوم في الغرب يعرفون ذلك جيدا، كما يتناسى ذلك التيار أن الحضارة انتقلت من الشرق إلى الغرب من خلال جذور إسلامية البناء منهجا وطريقة، وأن الجسور التى انتقلت خلالها تلك الحضارة جسور شرقية الأصل عقلا ووجدانا، وأن ثقافة الإسلام لا غيرها -بتسامحها من ناحية، وتقديرها للجهود العقلية والعلمية من ناحية أخرى- هى التى قدمت للدنيا سقراط وأرسطو، وانفتحت على الآخر الثقافى والدينى فأخذت منه وعلمته، وأن الدنيا ما عرفت يوما قيمة من القيم الجميلة إلا من خلال الشرق؛ لأنه -رغم التخلف والتراجع- كان ولا يزال هو النبع والمصدر لكل القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية، ومن ثم فالتواصل لم ينقطع، غير أن هناك طوائف من البشر تستمد قوة القول من موقع القائل لا من صحة الحقيقة ومنهجية العلم وصدق الرواية وسلامة التوثيق، والآلة الإعلامية هناك تجتزئ من التاريخ بعض المواقف دون أن تذكرها في سياقها العام فتقع بذلك في خطيئة التدليس وتحريف الكلم عن مواضعه، ومن جانب آخر فإن بعض شرائح المتدينين المهاجرة إلى الغرب ساعدت في تكريس تلك الرؤية المنحازة حين راحت تتحدث عن الإسلام وكأنه دين يعلن حربا عالمية على المدنية الحديثة بكل ما تحمله من تيارات فيها الغث والثمين والحق والباطل، ومن ثم فقد انتقت تلك الأجهزة هذه العينات وقدمتها على أنها هي التى تمثل الإسلام حركة وفكرا، ثم بدأت في محاكمة الإسلام كله والمسلمين جميعا انطلاقا من رؤيتهم لهؤلاء القلة التى كانت مجتمعات المسلمين نفسها أول من رفضهم وأدان سلوكهم ومنهجهم الفكري وجرأتهم في التهجم على الآخرين والتجاوز في التعامل معهم، وهناك عامل ثالث ساعد في انتشارتلك الخطيئة وهوأن المتلقى خالى الذهن، والساحة فارغة ممن يصوب الخطأ ويوضح الحقيقة وينصف دينا مظلوما، وينتصر ولو في مجال الكلمة لأمة محروبة تنـزف من قلبها وتسيل الدماء في أطرافها المختلفة.
وأشهد أن الإصابة كانت بالغة، وأن خسائرنا كبيرة.
ووسط ضباب الزيف الذي يرتدي ثوب العلم حينا وثوب العقل حينا آخر ويحاول في ذات الوقت باسم العقل أن يلغي عقول الآخرين. تحاول الآلة الإعلامية ومن خلفها جهات كثيرة أن تستغل ضباب الزيف هذا في اغتيال الحقيقة عن طريق تسويق مجموعة من المصطلحات التى تعمل عملها في صناعة الأفكار وصياغة العقول، هذه المصطلحات موضوعها نحن العرب عموما والمسلمون- دينا وتاريخا وحضارة-على وجه مخصوص، فهي تستهدفنا نحن ولكنها تتوجه لغيرنا على مستويات متعددة..
لذلك تجدر الإشارة إلى أنه من المهم أن تستفز إرادة الأمة ممثلة في المفكرين والعلماء والباحثين الجامعيين والمجمعيين لتواجه التحديات الحضارية بما تستلزمه حالة الشهود وليس الغياب، والتأثير وليس التأثر فقط، والفاعلية التى تتناسب مع حجم التحدى من ناحية، وخسارة العالم بتشويه الحقيقة وغياب المجنى عليه عن ساحة العدالة ليثبت حقه في الاختلاف والخصوصية، وليدافع عن نفسه من ناحية أخرى. لكن تبقى الحقيقة مشرقة الوجه براقة العينين ألاقة المحيا، قوتها من صدقها، ومن قوة الحق الذي تحمله وتدعو إليه (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) (الأنبياء: 18)، (قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ) (سبأ:49).
ومن ثم كان من المهم أن نتعرض لمجموعة من النقاط تخدم موضوع الحوار وتتصل به، وأرى أنها تمثل مفاتيح وآليات نستطيع بها أن نتعرف على حقيقة الأمر وفق عمل منظم يعتمد المنهجية العلمية وبعيدا عن حرارة التعصب الذي يشكل حماسا يشتعل ولا يمثل حقا يضيئ.
غير أن المتتبع لما يكتب لدى المفكرين الغربيين قد يعجب ويصاب بالدهشة لندرة ثقافة بعضهم حول الإسلام كمنهج ورسالة وحول المسلمين. فبعضهم يتحدث عن الإسلام بشكل تنقصه الدقة والعمق، والمعرفة الشاملة بطبيعة الإسلام وحتى بأحوال المسلمين، الأمر الذى يجعلنا نأسف لخلو المكتبة الأوروبية من مصادر علمية ومعرفية رصينة تنقل المفاهيم الصحيحة وتساعد في تصويب أخطاء بعض الباحثين، وتعرض دين الله في طهره ونقائه وصحة منهجه، ولا بد أن نعترف آسفين بتقصيرنا أفرادا ومؤسسات ودولا في هذا المجال، وبقاء الأمر على ما هو عليه الآن يمنح المغرضين فرصة ظلامية للتشويش العلمى والتدليس الثقافي وتشويه الصورة، كما أنه يحرم شريحة جادة في مجال البحث العلمى من الوصول إلى الحقيقة حين لا تتوفر أمامهم عن الإسلام إلا أبحاث المتردية والنطيحة وما أكل الكلب، صور من التشويه لا حصر لها، وكتابات عن الإسلام هي أقرب إلى الأساطير والخرافات، وأبعد ما تكون عن العلم والأدب ومناهج البحث، مساحات ثقافية شاسعة يمكن للإسلام أن يكتسبها وأن ينقص بها أرض الباطل من أطرافها لو توفرت المراجع الحية وبلغة القوم أنفسهم.
الإسلام ليس في حاجة إلى شهادة صلاحية:
ونموذج لسوء الفهم نعرض ما يقوله بايبز بأن الغربنة ( ) شرط أولي للحداثة فلا يمكن أن تأخذ بالحداثة دون أن تتخلى عن ثوابتك وهويتك ووجدانك الثقافي، ومن ثم فلا بد من أن تتغربن حتى تحظى بثمرات الحداثة، ويدلل الرجل على ذلك بحجة واهية يشير فيها إلى تناقضات بين الإسلام والحداثة في المسائل الاقتصادية مثل سعر الفائدة، الصيام، أحكام الإرث، ومشاركة المرأة في القوى العاملة"
والحقيقة أن هذا تصور ساذج لا يدل أبدا على تعمق في فهم الإسلام، وإنما يدل على خلط غريب ومعيب، ولقد لجأ بايبز لإثبات ذلك إلى الإشارة إلى مكسيم رودنسون حول الفحوى بأنه "لا يوجد شئ يشير بشكل قوي إلى أن الدين الإسلامي يحرم على المسلمين في العالم تحقيق التطور على طول الطريق إلى الرأسمالية الحديثة" ويناقش معظم المسائل عدا الاقتصادية.
وكلام مكسيم رودنسون إنما هو حجة على بايبز وليس حجة له، ولعل ولع بايبز بالبحث عن عيب في الإسلام دفع بالرجل إلى أن يتلقف من عبارات رودنسون كلمتين اثنتين هما:
"عدا الاقتصادية" ومن ثم أقحم قضايا مثل: سعر الفائدة، الصيام، أحكام الإرث، ومشاركة المرأة في القوى العاملة.
وإذا كان موضوعنا هو الشرق والغرب حوار لا مواجهة ومن ثم فليس داخلا في اهتماماتنا رد افتراءات بابيز إلا أننا من باب النصيحة نشير على الرجل أن يقرأ قبل أن يصدر أحكامه باتهام الإسلام ومحاولة النيل منه، وإذا كان قد اقتطع من كلام رودنسون كلمتين اثنتين هما:
"عدا الاقتصادية" فإن على السيد بايبز أن يراجع الصحيفة الاقتصادية المعتبرة تشالنجز بتاريخ 11/09/2008 في افتتاحيتها تعقيبا وتعليقا على الأزمة المالية التى هزت العالم حيث قالت: لو كان أصحاب المصارف الساعون للربح قد احترموا الشريعة الإسلامية لم نصل إلى ما وصلنا إليه, حيث لا تنتج النقود النقود...
كما ننصحه أيضا أن يرجع إلى ما نادى به منذ أكثر من عقد الاقتصادي الفرنسي موريس آليه الحاصل على جائزة نوبل سنة 1988 بإصلاح شامل للمؤسسات النقدية والمالية والمبني أساسا على سحب منشأة النقود من مهامها وحصرها في الدولة، وتخفيض سعر الفائدة إلى حدود الصفر.
وحتى تصحح معلوماته عليه أيضا أن يراجع صحيفة تشالنجز الاقتصادية الفرنسية حيث كتب رئيس تحرير هذه المجلة بوفيس فانسون يقول في الحادي عشر من سبتمبر "البابا أو القرآن" تساءل في كتابته عن أخلاقية الرأسمالية ودور الكنيسة في تكريس هذا المنـزع وتساهلها في تبرير الفائدة قائلا: "لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن لما حل بنا ما حل من كوارث؛ لأن النقود لا تلد النقود".
ومن قديم قال الفيلسوف الإغريقي الشهير أرسطو: إن النقود لا تلد النقود، وجاء الفيلسوف الاقتصادي الشهير كينـز بعد ذلك وقال: إن العالم لا يمكن أن يتقدم إلا إذا صارت الفائدة صفرا، وأن تخفض الضرائب لتكون 2%، بالمناسبة ولمعلومات السيد بايبز نسبة الزكاة 2,5% .
ولمزيد من معلومات السيد بايبز الناقصة والمشوهة نحيله أيضا إلى ما كتبته الباحثة الإيطالية لوريتا نابليوني حيث اعتبرت في كتابها الصادر مؤخرا بعنوان "اقتصاد ابن آوى" أن مسؤولية الوضع الطارئ في الاقتصاد العالمي ناتج عن الفساد المستشري والمضاربات التي تتحكم بالسوق وأن التمويل الإسلامي يحقق التوازن في الأسواق.
وأما في أستراليا فينصح الخبير روري روبرتسن من المؤسسة المصرفية الضخمة مجمع ماكواري بضرورة تخفيض الفوائد لتجنب ركود اقتصادي. ويقول البروفسور المساعد في جامعة غرب سيدني ستيف كيين أنه على المصرف المرجعي أن يخفض الفوائد إلى اثنين بالمائة قبل نهاية 2009 ويجب أن تنـزل هذه الفوائد إلى صفر في عام 2010 حتى تتجنب استراليا انكماشًا اقتصاديًّا.
وإذا كان الإسلام يثمّن منجزات الحضارة في كل المجالات ويستعمل في المعالجة مبضع الجراح لا سكين الجزار، فهو لا يهدم النظام المالي ككل، وإنما يهتم بتصحيح مساره وتوسيع دائرة الاستفادة منه.
فما الذي يعيبه السيد بايبز على الإسلام إن كان قد حرم الفوائد الربوية حماية للفرد والمجتمع وللنظام المالى العالمى من كوارث لم يصل البشر إلى أسبابها إلا في القرن الواحد والعشرين، بينما حذر القرآن من أضرارها منذ أربعة عشر قرنا من الزمان.
أم أنه الولع بالتشويه والتماس العيوب؟
ولقد رد على بايبز صموئيل هنتنجتون نفسه بقوله:"الإسلام والحداثة لا يتعارضان. المسلمون المستقيمون يمكنهم استخدام العلوم، والعمل بفاعلية في المصانع أو استعمال الأسلحة المتطورة. التحديث لا يتطلب من أحد اتباع أيديولوجية سياسية أو مجموعة مؤسسات: الانتخابات، الحدود الوطنية، التجمعات المدنية وغيرها من أسس الحياة الغربية التى ليست ضرورية للنمو الاقتصادى. وكعقيدة الإسلام يشبع حاجات المستشار الإداري وكذلك الفلاحين. الشريعة ليس فيها شئ حول النتائج المصاحبة للتحديث، مثل التغير من الزراعة إلى الصناعة، من الريف إلى المدينة،أو من الاستقرار الاجتماعي إلى التقلب الاجتماعي، ولا هي تتدخل في مسائل مثل التعليم العام، الاتصالات السريعة، وسائل النقل أو الرعاية الصحية، التحديث بإيجاز: لا يعنى بالضرورة التقدم على النمط الغربي. ولا كان بإمكان المجتمعات غير الغربية أن تتقدم وأن تحقق التقدم بدون هجر ثقافاتها الخاصة بها، وأن تتبنى القيم والمؤسسات الغربية كلية.
ومن السذاجة أن نعتقد، كما يقول برودل "أن التحديث أو انتصار الحضارة في صيغة المفرد "ستؤدي إلى نهاية التعددية في الثقافات التاريخية المتجسدة في ثقافات حضارات العالم العظيمة" التحديث غير كل ذلك يقوي تلك الثقافات ويؤدي إلى هبوط القوة النسبية للغرب، وبطرق جوهرية فإن العالم آخذ في أن يصبح أكثر حداثة وأقل نزوعا نحو الغرب"( ).
ونحن على يقين أن الإسلام كمنهج يجمع بين الدنيا والآخرة وبين المادة والروح وبين العقل والقلب وبين عالم الغيب وعالم الشهادة، ومن ثم فهو ليس في حاجة إلى شهادة صلاحية من أحد مهما كان، كما أنه يشكل بالنسبة للتراث الإنسانى بعمومه أعلى وأغلى وأغنى رأسمال"( ).
غير أن الآخرين لا يعرفون هذه الحقائق عن الإسلام ولم يسبق لهم أن تحاوروا حوله بشكل موضوعي هادئ، ومن هنا تظهر خطورة الحوار وأهميته على مستويات الفكر توصيفا وتحليلا.
فعلى مستوى الطرح الفكري وفي مجال البحث العلمي يجب التزام الموضوعية، والبعد عن المغالطات وتعمد التدليس وإلا فلن تكون للحقائق حرمة. كما لا يجوزأن تطرح موضوعات الحوار ضمن إشكالية التحيز والحكم المسبق.والسيد بايبز قد تورط في هذا الإشكال ومارس تلك الخطيئة.
كما يجب أن يكون موضوع الحوار واضحا للطرفين بأولوياته وأن نعرف ونحن نتحاور كيف نصنف اهتماماتنا بعيدا عن الوقوع في شرك بريق المصطلح والجري خلف سرابه، ثم نعود في نهاية الأمر وجعبتنا خاوية الوفاض، لاتحمل معها تينَ الشام ولا عنبَ اليمن كما يقولون في المثل، وكما حدث من قبل في حوارات سابقة.
فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، والمسلم ينبغي أن يكون عارفا بزمانه، وقد جاء في الأثر:
(رحم الله امرأ عرف زمانه واستقامت طريقته)..
وضمن معرفة الزمان هنا معرفة الآليات المستخدمة في الصراعات الفكرية والثقافية، مع تحفظنا على مصطلح الصراع قبل معرفة آليات الحرب المادية، ومن ثم فحرب المصطلحات هنا لها دور خطير في تغيير الأفكار والرؤى والتصورات، وذلك علم جديد يجب أن نعرف عنه بعض المتاح، وأن نسبر غوره، تحصينا للمتلقي من آثار وتداعيات حرب المصطلحات الخطيرة..
حرب المصطلحات:
قبل الحديث عن دور المصطلح في صناعة الأفكار وصياغة العقول لابد من الإشارة إلى أهمية اليقظة والوعي كشرط لنفي قابلية الخداع وللخروج من التخلف وتجاوز أزمة الغياب الحضاري التى طال ليلها وطالت أرضنا وكرامتنا وتاريخنا أيضا.
وإذا كانت اليقظة مطلوبة في كل وقت، فهي في زمن الانكسارات والنكبات تصبح مطلباً يتجاوز حدود الاحتياج ليصل إلى حد الضرورة، حيث بها وعن طريقها تستعيد الأمة وعيها الغائب ورشدها المفقود وإرادتها المسلوبة، كما تستثير هذه اليقظة عناصر المقاومة الذاتية والكامنة في ضمير الأمة، ومن ثم تخرج من غيبوبة الهزائم لتدخل في مرحلة الإنعاش والوعي، وبقدر ما يكون لدى الإنسان الفرد من يقظة ووعي بقدر ما تتشكل عقلية الأمة، أو يتشكل العقل الجمعي فيها.
فإذا كانت المكونات الثقافية لهذا العقل حية نابضة، تحركت الأمة في الاتجاه الصحيح، واتسعت مساحة حضورها وتأثيرها على مستوى الجغرافيا والتاريخ أيضاً.
قابلية الخداع:
إذا كانت المكونات الثقافية التي أشرنا إليها سالفا ميتة أو فاسدة، ولم تكن نابعة من أصالة تحصن البيئة ضد قابلية الخداع والدمج والذوبان، فإن الأمة تفرغ من محتواها، وتغيب عن دورها ورسالتها، ويتلهى أبناؤها بالحديث في الغث من الثقافة، والشارد الضال من الفكر، ثم يدخلون في جدليات تستنفد الجهد والطاقة، ولا تعود بفائدة تذكر في النمو الاجتماعي أو برقي في ميادين الحياة.
وضمن ما تتعرض له عقول أبناء الأمة من الخطر، بل في مقدمة السموم الثقافية التي يتم تناولها في كل يوم مقروءة ومسموعة ومرئية ما يسمى بحرب المصطلحات.
المراحل والكيفية:
حرب المصطلحات حرب يقصد بها أحياناً تكريس معنى معين، يخدم قضية بذاتها،أو يمهد لفكرة يريد العدو إشاعتها بيننا فيركز إعلامياً عليها، وعن طريق الإلحاح والتكرار ترسخ في الأذهان وتستقر في الوجدان العام، وتتلقاها الأجيال، وكأنها مسلمات دون بحث في حقيقتها أو تحليل لمضمونها ومحتواها الفكري والقيمي أيضا.
حساب الأرباح أولا:
تعودت مؤسسات الإعلام في الغرب قبل أن تبث خبراً ما أن تكون قد حسبت حساباتها الدقيقة لمدلوله وآثاره، وردود أفعاله في عقول ومشاعر الذين يتلقونه خصوصاً من أبناء العالم الثالث، وطبيعي جداً أن تكون كل الحسابات لصالح هذه الجهات في الحاضر والمستقبل معاً، ولذلك تختار الكلمات من قبلهم بدقة متناهية لتفضي في النهاية إلى ما يريدون.
مرحلة الخداع الضروري:
المطلوب المباشر في حرب المصطلحات هو القناعة أو الإيمان الزائف بفكرة ما ولو كانت قائمة على الوهم والخداع.
وطبيعي أن يسبق هذه القناعة القائمة على الوهم مرحلة الخداع الضروري أو ما يسمى عند رينولد نيبور بصناعة الموافقة" ومن ثم فنحن أمام حرب فكرية من نوع خطير تفرغ فيها الكلمات من مضمونها الحقيقي، ومن معناها اللغوي، وذلك باستعمالها بخبث ومكر ودهاء في غير معناها، وأحياناً في عكس معناها، وقد قدم " رينولد نيبور المعلق السياسى وأستاذ علم الأخلاق عندما كتب في عام 1932م رأيه في طرق صناعة الأفكار وهندسة القبول الديموقراطى أو هندسة التاريخ قائلا" إذا أخذنا غباء الإنسان العادى في الاعتبار فإن مسؤولية المراقبين الهادئين هي تقديم الخداع الضروري" الذي يوفر الإيمان الذى يجب أن يغرس في العقول الأخف"
" نشير هنا إلى مفهومين آخرين في اللغة الجديدة وهما: "المتطرف" "والمعتدل" ينطبق مفهوم المعتدل على المرحبين بموقف الولايات المتحدة، والمتطرف على الرافضين له
وفي هندسة التاريخ يتم الانتقاء لمواقف معينة تقطع عن سياقها العام ثم يبنى على أساسها إطار مفاهيمى جديد تقوم على إشاعته وشيوعه النخبة التى تعير مواهبها للحاكم لتدرب الرأي العام على صناعة القبول ضمن هندسة الأفكار وهندسة التاريخ ثم يأتى دور الصحف الأكثر انتشارا في ترسيخ تلك المفاهيم"( ).
ونموذج لذلك يقول المؤلف: "يجب أن نعدل عن الطريقة الموضوعية ونقر بأن أعمال الإرهاب تندرج في القاعدة فقط عندما يديرها الأعداء الرسميون. ومتى تكون الولايات المتحدة وعملاؤها هم المنفذين للأعمال الإرهابية، فإما أن تتلاشى هذه الأعمال من السجل، أو أن تتحول إلى أعمال ثأر ودفاع عن النفس لصالح الديمواقراطية وحقوق الإنسان، ومن ثم يصبح كل شئ واضحا" ( ).
مرحلة تجنيد الميليشيات الثقافية
والغريب أن الآخرين في مواجهة الأمة لم يكتفوا بما لديهم من إمكانيات ووسائل، وإنما جندوا لهذه الأغراض جنوداً عندنا، يكتبون ولكن بأقلام الآخرين، ويهتفون ولكن أيضاً بأصوات وحناجر الآخرين، ثم كان السخاء الشديد بصرف مئات الملايين من الدولارات على قنوات فضائية وإذاعات وصحف ومجلات جديدة تستهدف عقول شباب الأمة وتعمل جاهدة على تغييرالوجهة، كما تعمل على ضياع الهدف وفقدان الطريق. وتجند لذلك فرقا من المثقفين أشبه ما يكونون بالميليشيات المسلحة التى تضرب في أى مكان، وفى أي وقت دون اعتبار لمقدسات أو حرمات أو ثوابت توافق عليها المجتمع وارتضاها ودونها في دستوره. وهذ الميليشيات تمارس كمًّا غير قليل من التدليس والخلط ضد دين الأمة وقيمها وثوابتها، ولا يكفون عن خداع الوعى العام للأمة وتخديره لتقبل ما يلقى إليها مغلفا بغلاف براق يعلن عن شئء ويخفى تحت شعاره النقيض المسموم.
وقد كان ذلك واضحا جدا عندما انكشف طواطؤ النظام العربى في العدوان على غزة في حرب 2009 .
فعلى الجانب الإسرائيلي كانت إسرائيل قد أعدت عدتها قبل الحرب وجندت أجهزتها الإعلامية واستعملت نفوذ اللوبي التابع لها في مجتمعات الغرب والولايات المتحدة، وضغطت سياسيا وإعلاميا حتى تمهد المجتمع العالمى بما فيه مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لقبول عدوانها على غزة، والذي يمثل حرب إبادة ضد شعب بأكمله، وقد استعملت فيه محظورات السلاح بكل أنواعه، وعلى الجانب الآخر كان الغضب الشعبي يجتاح العالم العربي والإسلامي، وفي ظرف استثنائى تعذر فيه الدفاع عن سياسة الدولة حيث شاهد العالم تناقض المواقف والتصريحات وارتباك الأنظمة العربية بعد أن فضح بعض قادة أوروبا ما جرى في الجلسات الخاصة بضرورة هزيمة المقاومة الفلسطينية، وعدم السماح لها بالنصر، ولم يصدر من الأنظمة تكذيبا أو محاولة تصحيح واحدة، هنا لجأت الأنظمة لميليشياتها الثقافية والإعلامية لتؤدي دورها وفق نظرية:صناعة الموافقة أو ما يسمى بهندسة القبول الديموقراطى، وهي نظرية لا تظهر عادة " بشكل استثنائى إلا عندما يتعذر الدفاع عن سياسة الدولة وتصبح خطرة إلى الدرجة التى تصبح فيها القضايا خطيرة، ومن ثم يأتى دورالنخبة التى تعير مواهبها للحاكم بتدريب الناس على صناعة الموافقة، وإحدى هذه الوسائل هي ابتكار شكل ملائم للغة جديدة تكون للمصطلحات الفاصلة فيها معنى فني منفصل عن معانيها المألوفة"( ) ووفق هذه النظرية كانت أجهزة الأمن قد حددت أشخاصا معينين تم اختيارهم ليكتبوا ويتحدثوا في القنوات الفضائية ووسائل الإعلام العربية والعالمية، وقد كان المقصد طبعا تغطية عورات الأنظمة وتقاعسها عن أداء دورها الوطنى، ومحاولة ستر التواطؤ مع العدو في عدوانه بكمه وحجمه وفضائحه، لكن هديرالحناجرالمستأجرة لتلك الميليشيات لم يستطع إخفاء الحقائق أو ستر الفضائح والفظائع، فقد كانت الجريمة على الأرض بحجم ضحاياها من المدنيين والنساء والأطفال أقوى وأعظم من أن تخفيها ترسانة التزوير، بكل ما تملك من وسائل غسيل الأدمغة، والتضليل الإعلامي، ومحاولات فرض العمى الإرادي على عقول البشر وأبصارهم.
وفى حادثة غير مسبوقة أوصت تيسيبي ليفنى وزيرة خارجية إسرائيل بوضع أغلب المقالات التى كتبت لأعضاء من تلك الميليشيات على صفحة وزارة الخارجية الإسرائيلية على النت، باعتبارهم أصدق تمثيل لوجهة النظر الإسرائيلية، فهم يمثلون سفراءها في أغلب الصحف والمجلات العربية، وقد قرأ الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز واحدة من تلك المقالات، ثم هب واقفا ليقول لجلسائه " كاتب هذا المقال يستحق أعلى وسام في إسرائيل.
وهكذا كشف هذا الموقف وجه القبح المشين لتلك الميليشيات، ولم يك ينفعهم ما قدمه لهم سادتهم والذين استخدموهم كرأس حربة في خصر أمتهم ساعة العسر، فباءوا بغضب من الله و لحقهم العار واحتقار الشعوب.
مرحلة ترويض العقل والوجدان:
وتبدأ هذه المرحلة بترويض العقل والوجدان على المفهوم الجديد للمصطلح حتى يمكن قبوله واستعماله والتآلف معه وكأنه قضية مسلمة، وإذا كنا قد قدمنا نموذجا لحرب المصطلحات على المستوى الدولى فهذه الحرب على المستوى المحلى لا تقل خبثا ودهاء، والأمثلة على ذلك عديدة ومتنوعة.منها مثلا مصطلح النص في مقابل العقل، الأصالة أو المعاصرة، الصراع بين العلم والدين، قهر الطبيعة، الأصولية والإرهاب، التشدد، التطرف، والهوس الديني، الدولة الدينية، محاكم التفتيش وما إلى ذلك من مفردات كثيرة وهي مصطلحات أطلقتها صحف وإذاعات، من خلفها مؤسسات أجنبية، لا تضمر خيراً للعرب، ولا تكن احتراماً للمسلمين، ويراد لأبنائنا قبولها واستعمالها والتآلف معها وكأنها قضايا مسلمة، ثم تجري على ألسنتنا نحن بما يخدم قضاياهم ويحمي مصالحهم ويقتل كل عناصر الرفض والمقاومة في الأمة المحروبة، بمزيد من إضفاء صفات الكراهية والتنفير على كل الرافضين للقهر والاستبداد والاستغلال، وذلك بإطلاق المصطلحات إياها والمعروفة لدى الجميع.
ولما كانت هذه الخدعة ليست جديدة، فقد نبه إليها مفكرون كثر، منهم العالم النابه سعيد النورسي حيث يقول:
" لقد وضع الظلم على رأسه قلنسوة العدالة، ولبست الخيانة رداء الحمية، وأطلق على الجهاد اسم البغي، وعلى الأسر اسم الحرية، وهكذا تبادلت الأضداد صورها."
وكثيرا ما تتلاقى وتتعانق أفكار الأحرار الباحثين عن الحقيقة، ولا تستطيع الحواجز والحدود أن تسجنها أو تحد من انتشارها، فعالم اللغويات المفكر المعروف نعوم تشومسكى وهو يهودي أمريكي يقول: " مصطلحات السياسة لها معنيان، أحدهما معناها المعجمي المتعارف عليه، والثانى معناها الذي يخدم استراتيجية الأقوى، ومن ثم فالحرب هى السلام، والحرية هى العبودية، والجهل هو القوة"( )، وهكذا تتبادل الأضداد أدوارها.

وسائل الدفاع والمقاومة، وضرورة حماية الثغور الثقافية:
وعندما تتبادل الأضداد أدوارها يتحتم بالضرورة حماية الثغور الثقافية وتحصين العقل، عقل الفرد والمجتمع،ضد الجراثيم الثقافية التي تفتك به، وتهدد وجوده، وتبدد جهوده، وذلك بمطاردة الفكر الذي يؤصل العجز، ويكرس الهزيمة النفسية والفكرية، ويشيع لدى الفرد روح الانهزامية والاستسلام. ولما كان الإنسان هو العنصر المؤثر والمباشر في رفع عار الهزائم، وذلك ببذل الجهد واستثمار الطاقة وتوظيف الإمكانيات، فإنه والحالة هذه يكون في مقدمة الثروات، ويكون أعلى وأغلى رأسمال يجب حمايته والمحافظة عليه والدفاع عنه دون اختراقه عقلاً ووجداناً، وحمايته في هذه الحالة، إنما هي حماية للأمة، واستبقاء لكيانها العام، وتحصينه بالثقافة الحية والفكر الأصيل هو تحصين للأمة من التدمير الداخلي الذي يتم عادة بإشاعة الإحباط والفشل بين جنباتها المختلفة، وغالبا ما تستعمل المصطلحات وسيلة لذلك، ومن ثم كان لابد من التحذير من تلك المصطلحات وتأثيراتها وكيف تستخدم أحيانا في تسويق الأفكارلدرجة أن البعض أطلق عليها تعريفا جديدا يحمل ضمنا حجم خطورتها على مستوى الفكر والثقافة وهو"حرب المصطلحات"
عالم صياغة الرأي العام وضرورة الدخول فيه:
وإذا تركت الأمة عقول ووجدان أبنائها مستباحة لدى الآخرين، ليبثوا فيها سمومهم بحجة حرية الثقافة، وحرية المعلومات، وحرية الاختيار، خصوصاً لدى النشء الجديد الذي لا حصانة لديه ولا معرفة له بأساليب الآخرين، فالنتيجة ستكون وخيمة، والكارثة ستكون فادحة، وذلك بالطبع نذير شؤم لا بد أن يحسب العقلاء حسابه، وأن يسارع كل الشرفاء إلى التخلص منه؛ لأنه وباء جديد ينتشر في عقل الأمة، فيكرس فيها الهزيمة ويغرس في وجدانها جذور الإحباط، ومن هنا تكون صياغة الرأي العام، وصناعة الأفكار والعقول، من أخطر المهام التي تؤثر في حياة الأمم والشعوب في الحاضر والمستقبل، ويتحتم على أمتنا بحكم تحديات الصراع، أن تدخل في هذا المجال، وأن يتحول العمل فيه إلى واجب وجهاد يعدل في قيمته الدينية الصلاة والصيام والحج؛ لأنه يحمي عقول الأمة من الاجتياح الفكري الظالم الذي تجب مقاومته ديناً، كما تجب مقاومته رجولةً وشرفاً حمايةً لمستقبل الأمة من الانبهار غير المحسوب، والانهيار المنتظر على المدى القريب أو البعيد.
شرفاء المثقفين والولاء للوطن:
قديما كانت الأمة حية بحضورها الثقافي والحضارى في مجتمعات العالم، كانت وحدة نسيجها الاجتماعى والفكري والقيمي خطا أحمر لا يجوز تجاوزه، وكان الشعار المرفوع حينئذ "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وإذا كان المرحوم النورسي ومعه آخرون قد حذروا من الخداع الثقافي في عشرينيات القرن الماضي فإن وسائل الخداع والتدليس قد تطورت كثيرا، والآليات قد تقدمت أكثر، وقد كان المثقفون قديما عينا على السلطة، لكنهم تحولوا في مرحلة تأميم الفكر والثقافة إلى عين للسلطة، وتحولت الثقافة إلى سوق وتاجر وسمسار، من هنا بدأت معاناة المثقفين الشرفاء والنخب الحرة التى لم تبع ضمائرها في أسواق النخاسة الثقافية، حيث أضحت مهمتهم مهمة محفوفة بالمخاطر لأن الشعار السابق "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها"استبدل وتغير وتحول إلى شعارجديد هدفه وغايته هو الالتحاق والانسحاق وعنوانه هو"الأمة نائمة لعن الله من أيقظها" ومن ثم فعلى كل الشرفاء ممن يتحملون مسؤولية الكلمة مقروءة ومسموعة ومصورة ومرئية أن يظلوا على ولائهم لوطنهم وأمتهم، وأن يتحملوا مشقات التحدى حتى إشعار آخر.وهم يرددون قول الشاعرالحر:
في موكب الحق لا في موكب الزور
وفي رحاب العلا لا مربط العير
فاختر لنفسك فليس بنا..
من حاجة للمطايا والقوارير
* * *

الفصل الرابع
السياق التاريخي الذي يتم فيه الحوار
الدعوة إلى الحوار تتم في ظروف واقع متناقض في الشرق والغرب.
فالواقع في الغرب ينطق بأن قوى كبرى في أوج قدرتها وتقدمها وقيادتها للعالم.
وصراع الحضارات وصراع الثقافات والحروب الدينية، مصطلحات وجدت طريقها إلى الانتشار عن طريق فلاسفة وكتاب المحافظين الجدد الذين يشعلون حرائق الحرب في كل مكان.
ولئن كانت البشرية قد عانت من تعصب البروتستانتية الإمبريالية التى مولت الحروب الصليبية قديما، فإن المحافظين الجدد يمثلون امتدادا لها في العصر الحديث، وهو امتداد ظلامه أشد وظلمه أكبر؛ لأنه يملك كل أدوات الفتك والتدمير وتشويه صورة الآخر، ولديه من وسائل التزوير والتدليس والتأثير وصياغة الرأى العام ما يمكنه من قلب الحقائق واغتيالها في عقول الناس ووجدانهم.
وإذا كانت واشنطن هى العاصمة السياسية للإمبراطورية الجديدة، فإن هوليود هى مدينة صناعة الأحداث والآراء وصياغة الوجدان وتكريس المعنى المطلوب، ومن داخل غرفها السوداء تخرج المؤامرات فكرة في البدء في شكل مسلسل أوفيلم، ثم يتلقاها أهل الكياسة والسياسة وأصحاب مصانع السلاح ممن يعشقون المال ويريدون أن تدين لهم الدنيا بحزافيرها.
ومنذ تسعينيات القرن العشرين وما بعدها جرت مناظرات كثيرة بين الباحثين والإعلامين تناولت بحث مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وكان لبرنارد لويس مساهمته في ترشيح الإسلام كعدو بديل للقطب الشيوعي، حيث نشر مقالا سنة 1990بعنوان: (جذور الغضب الإسلامى) الصراع بين الإسلام والغرب الذى ادَّعى أنه يرجع إلى زمن ظهور الإسلام قبل أربعة عشر قرنا كصدام حضارات، ثم جاء صمويل هنتنجتون واجتهد أكثر من غيره على تعميم تصور صدام الحضارات وجعله تصورا شعبيا يسود بين العامة والخاصة. ودخل على خط الخوف -المبرر من الإسلام- نشطاء من الأكاديميين والإعلاميين وضعوا أفكارهم وثقافتهم في خدمة السيد الجديد في البيت الأبيض، والذى بدا عليه من أول لحظة أن لديه طاقة من التعصب والعنصرية والرغبة في السيطرة ما يمكنه من إشعال نيران الحروب في أى مكان، وكان برنارد لويس وجماعته أول من تبرع بإسداء النصح وتقديم التبرير المطلوب لأية حروب عبثية.
ونشطت القوى الخفية التى تزكى نيران الصراع على مستويين:
المستوى الأول: مستوى القوة المادية، حيث وفرت مصانع السلاح جيلا جديدا من تكنولوجيا الحروب، رأوا أنه لابد من اختباره وتجريبه من ناحية، ثم لابد من التخلص من المخزون القديم من ناحية ثانية، وعلى العالم أن يدفع تكاليف تلك الحروب وخصوصا أمراء النفط، حيث تعمل الدبلوماسية ومعها أجهزة الاستخبارات على إقناعهم أن هذه الحرب لحمايتهم وحماية أنظمتهم من الإرهاب وطغيان وعدوان صدام حسين.
المستوى الثانى: مستوى قوة الإقناع وتبريرالحرب في الداخل والخارج، وذلك بإشاعة الخوف الدائم من ذلك العدو القادم من صحراء العرب، ليحطم الحضارة ويعيد الدنيا إلى ظلمات القرون الأولى،والمتمثل في الإرهاب وتنظيم القاعدة بقيادة طالبان وأسامة بن لادن، وهؤلاء يسعون بمساعدة محور الشر على امتلاك أسلحة الدمار الشامل -ومنها بالطبع السلاح النووى وأسلحة الحرب البيولوجية- وهنا لعب اليمين على مشاعر الخوف وأخرجت أجهزته مسرحية رسائل الجمرة الخبيثة وأغلق مجلس الشيوخ بعدما وصلت بعض تلك الرسائل لأعضاء في المجلس معترضين على الحرب.
ومن ثم فقد توفر للمحافظين الجدد المناخ المناسب لارتكاب أكثر الحماقات شرا، فقد توفر لهم من قوة السلاح كل ما يعينهم على إدارة تلك الحرب بقوة تدمير تفوق الحرب العالمية الثانية بمئات المرات، كما يتوفر لهم كل ما يعينهم على تمهيد الأرض وتهيئة الناس لقبول تلك الحماقات وتبريرها باعتبارها فعلا حتميا لا مناص منه ولا بديل عنه لحماية الذات الحضارية في مواجهة قوى ظلامية وفاشية هى محور الشر الذى يستهدف قيم الحرية والديموقراطية في منظومة الغرب ثقافة وحضارة ومدنية.
وبعد أحداث الحادي عشرمن سبتمبر تحول البطل المملوء بغرور القوة إلى وحش جديد، يدفعه أبالسة اليمين المتطرف الذين يعيشون على الفتنة إلى جنون التسلط ومغامرات الموت في استغلال واضح لذكائه المحدود تحت دعوى أنه مبعوث السماء لتنفيذ وعود الرب وتحقيق مملكته على الأرض.
ومن ثم راح البطل يقلق راحة البشر، ويثير الرعب بالدعوة لحروب عبثية يدفع العالم إليها ويجند لها الدول والجيوش، ويعلن شعاره المعروف "من ليس معنا فهو ضدنا".
فإذا أضيف إلى هذا الوحش قوة الاتحاد الأوروبي، أو ما يسمى بالتحالف العالمى ضد الإرهاب، وهى مجموعة من الدول تتباين فيما بينها، وتختلف في أجناسها ولغاتها وثقافاتها، ومع ذلك تلتقى في وحدة أوروبية، لها قوة دفاع مشتركة، وسوق أوروبية مشتركة، وعملة مشتركة، وتتعامل مع قضايا العالم بتصور مشترك، يحمى مصالحها ويحقق أهدافها، ويفرض احترامها بين دول العالم، وتسعى وتتطلع دول كثيرة للانضمام إليها .
وهذه الدول قد تعاملت مع السنة الكونية بنصف الصواب ونصف الخطأ، أما نصف الصواب فلأنها التزمت بالسنة الكونية في شروطها المادية، بينما كان الخطأ في النصف الآخر حين أهملت في ذات السنة جانبها الغيبي، فقطعت السنة عن مصدرها ولم تعترف بمن سنها وقررها، لكن عدالة الله تأبى أن يحرم من بذل جهدا من ثمرة جهوده في التعامل مع سنن الله في الكون ولو لم يكن مؤمنا، ومن ثم تحقق للغرب هذا الإنجاز المادى الضخم في حضارته تصديقا لقول الله تعالى" (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) (هود:15). هذا في الغرب.. فماذا في الشرق؟.
تناقض الواقع في الشرق والغرب:
بينما الجانب الآخر في العالم الإسلامي مارس نفس الخطأ ولكن بشكل مختلف، فقد تعامل مع سنن الله في الكون بنصف الصواب وبنصف الخطأ أيضا، حيث كان الواجب أن يتعامل بكل الصواب لا بنصف الصواب ونصف الخطأ، ففي العالم الإسلامي إيمان بسنن الله في الكون وهذا هو نصف الصواب، لكن هذا الإيمان ظل مجرد فكرة في الذهن ليس لها تطبيق في الواقع، وهذا هو نصف الخطأ الذى مارسه المسلمون ولكن بشكل مختلف عما حدث في الغرب، فكانت النتيجة أن تأخر العالم الإسلامي، وانسحب نصف الخطأ على الساحة الإسلامية كلها، فأمست تمثل حقل التسيب والفوضى في أعلى تجلياتها، ومن ثم كان الشرق والغرب في الخطأ سواء .
هنا في الشرق تخلفٌ مزري في عالم المادة نتيجة الإهمال والجهل بقوانين الكون وسننه، وهناك في الغرب تخلفٌ مزري في عالم الروح؛ نتيجة الجهل والإهمال لقوانين الروح والغيب.
روعة تثير الإعجاب هناك بحجم التقدم التقنى والذي يتطور كل يوم، ولكنه مصحوب بحالات من القلق والاضطرابات النفسية والإرباك في الغاية والهدف، وهنا في الشرق يحسدون الناس على حجم الطمأنينة التى يتمتعون بها رغم الفقر والجهل والمرض . هذا على مستوى رصد الحياة الاجتماعية بظواهرها التي تبدو على السطح كالعنوان، فماذا عن الحوار حين يتم في تلك الأجواء وهو موضوعنا في هذه الدراسة.. عقولنا فيه تفكر وتبتكر، وعيوننا عليه تحاول أن تحميه ليستمر وينمو.
بين الحوار والمفاوضات:
في كثير من الأحيان يتحول الحوار إلى نوع من المفاوضات، والمفاوض عادة يستند إلى مجموعة من المفردات تشكل له أوراق ضغط تدعم موقفه وتقوي موقعه على الأرض، وتشهد بأن للمفاوض حضورا مشهودا في الواقع. ثم إن المفاوض جزء من منظومة لها استراتيجيتها ولها أهدافها وعليه هو التزام تجاه تلك المنظومة. والمحاور أو المفاوض في الشرق لا يتوفر له شئ من ذلك، فهو لا يمثل نظامًا، وليس جزءا من منظومة لها على الأرض حضور أو شهود، فنظامه في موقع المفعول به وليس الفاعل، الأمر الذى يزود الطرف الآخر بقوة ضغط تحول الحوار إلى تفاوض بين قوتين غير متكافئتين!! طرف فيها يملك أن يفرض إرادته كتعبير عن الواقع، بينما الطرف الآخر لا إرادة له أصلا، وليس لديه إلا الإذعان كتعبير أيضا عن واقعه المرير وإرادته الغائبة. ففى الوقت الذى تخطط فيه القوى الكبرى لفرض هيمنتها وسيطرتها وتستعمل كل الأساليب وتستثمر كل الطاقات كان العالم الإسلامي يجلس على شاطئ الأحداث متفرجا، يستقبل ولا يرسل، وينفعل ولا يفعل. وتلك كارثة عطلت دوره ورسالته، وحولته في حلبة الصراع إلى مجرد عينة تُجرى عليها التجارب وتُؤخذ منها النتائج.
وإذا كان المناخ العالمي تشتد حرارته وتصل إلى درجة الالتهاب وفي بعض الأحيان إلى حريق مدمر، فإن المجتمعات الميتة لن تجد بين كثافة الدخان وحرارة اللهب من يبحث عنها لينقذها، وإنما تبحث فرق الإنقاذ عن الأحياء أولا، وتلك سنة الناس ومنطق العقل والمصلحة، وكان على أهل الشرق -إن أرادوا البقاء- أن يتحركوا وأن يعملوا على إنقاذ أنفسهم بعد أن يرتدوا الثوب الواقي وسط هذا اللهب قبل أن يطلبوا من غيرهم ليهب باحثًا عنهم داخل هذا الحريق ووسط هذا الركام" ( ).
وبدلا من أن يتحرك الشرق وسط هذا الركام لينقذ نفسه، عاشت أممه بدولها وسط عشوائيات من كل نوع، ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية. ولئن اعترفنا في حياتنا السكانية بوجود عشوائيات نشأت في غياب التخطيط والمراقبة، تشكل نتوءات وشذوذا في المدائن والقرى، فإن في حياتنا الفكرية والثقافية عشوائيات وفدت إلينا في عصور الانحطاط واستقرت، ثم زادت عن طريق الوافد الثقافى الجديد الذى مكن لهذه العشوائيات في بيئتنا، وغرس عن طريقها خلايا الفكر المهجن والمدجن، فعشعشت في ثقافتنا، وهى خلايا من نوع خطير لا تشوه الصورة فقط، وإنما تعمل على كسر إرادة الأمة وتحويلها إلى أمة متسولة ملتحقة ومنسحقة.
ففى مجال الاقتصاد عشوائيات هي أبعد ما تكون عن روح العلم والتخطيط والضبط والمراقبة والمصلحة، تدفع بكل فوائض أموال الأمة لتعْبر القارات وتصب في شريان الحياة هناك بعيدا في الغرب، بينما تحرم دولها من فرص التنمية والاستفادة من زيادة رأس المال.
وكان يمكن لبعض من هذا الفائض أن يتحول استثمارات لتحقيق وحماية الأمن القومي العربي وذلك بتعمير السودان وتحويله إلى مخزن عالمي لغذاء العالم عموما والعالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص، وبذلك تتحرر إرادة الأمة من أن ترتهن لضغوط الحاجة إلى القمح، ونحمي السودان نفسه من مؤامرات التقسيم التى تستهدف السيطرة على ثرواته والتحكم في مصادر مياه النيل.
وعلى المستوى الثقافي والاجتماعي كان يمكن استثمار وتوظيف المكونات الثقافية والاجتماعية للأمة، حيث تدين الأمة بدين واحد، وتتحدث لغة واحدة، وهمومها تكاد تكون واحدة، وعاداتها وتقاليدها واحدة، ومعاناة أبنائها ومجتمعاتها تكاد تكون أيضا واحدة، وتواجه أطماعا واحدة، كان يمكن أن تستثمر كل هذه العناصر والمكونات والمقومات في خلق وحدة في المشاعر والرؤى والتصورات، لكن العشوائية الاجتماعية والثقافية هي التي سادت فحلت الفرقة مكان الوحدة، وكان الاختلاف مكان الاتفاق، ولم تتفق الأمة ولا على شئ واحد..
وعلى المستوى السياسي كانت العشوائية لا تشكل همًّا تخلفيا فقط، أو عجزا في التخطيط وتحقيق الهدف، وإنما تشكل فضيحة سياسية حتى في أحلك الظروف وأشدها خطرا، فالعرب بأنظمتهم المختلفة مع بداية الحرب الهمجية التى اجتاحت غزة وكانت تشكل محرقة حقيقية لم يكونوا جادين في عقد مؤتمر يجمعهم، وظهرت المحاور التى تستجيب لرغبة إسرائيل في التسويف والتأجيل حتى يتم القضاء على المقاومة، وكانت هناك محاولات لقهر الشعوب ومنعها من التظاهر والخروج إلى الشوارع في القرى والمدن مراعاة لمشاعر الحليف الذى يمارس الهولوكست ضد المدنيين الفلسطينيين بنسائهم وأطفالهم، ولم يكن لدى الساسة حتى حمرة الخجل من التصريحات المشينة التى تكشف عورات الأمة وتجلب لأصحابها العار وتزيد تاريخهم تلوثا وقذارة، أمة تملك من الإمكانات ما يجعلها في مقدمة الأمم، ولديها من الثراء والثروة ما يمكنها من تجاوز كل عقبات التخلف، ومع ذلك تعيش في أحط درجات ضعفها.. الآخرون هم الذين يقودونها، فبأمرهم تأتمر، ولإرادتهم تخضع، وفى فلكهم تدور، وحول أهدافهم تتمركز كل حركتها وكل نشاطها.
وإذا كنا نعترف بوجود متطرفين في الشرق والغرب معا، إلا أن الملاحظ أن أمتنا وقعت بين فكي نوعين من المتطرفين.
النوع الأول: متطرفون خارج القانون وتحت السيطرة، وهم المتطرفون الدينيون، وهؤلاء فكرهم مرفوض وشرهم محدود.
النوع الثانى: المتطرفون في الفساد، وكانت ولا زالت المشكلة الكبرى أن المتطرفين في الانحراف والفساد في الشرق التقوا وتحالفوا مع المتطرفين في عدائهم للإسلام من أبناء الغرب، وهؤلاء وأولئك في الشرق والغرب، هم الذين آلت إليهم مقاليد الأمور فأصبحوا هم الذين يفتون ويشرعون ويقننون القوانين ويصنعون الأحداث، وهم في مراكز القرار، ومن ثم فهم يملكون القانون..!!.
وبين هؤلاء وأولئك شرائح تساعد وطوائف تنفذ وآليات تستخدم وإمكانات بغير حدود، ومنها الثقافة والمثقفون.
وإذا كان الحاكم في الغرب يأتي عن طريق الانتخاب الحر وفق برنامج يعلن فيه أنه خادم لشعبه ووطنه مدة أو مدتين، خلالها يكون موضع المراقبة والمساءلة، وكل مؤسسات الدولة تكون عينًا عليه، فتكاد تحصى عليه أنفاسه، إذا كان الوضع كذلك في الغرب الذي نريد أن نحاوره ونصحح صورتنا عنده ونطالبه أن يُنصف قضايانا ولا ينحاز ضدنا، فإن أنظمة الحكم عندنا تحولت إلى مزارع خاصة للحاكم وأولاده وأسرته وحاشيته..!!.
ففي النظام الغربي مثلا إذا تلقى الحاكم هدية تزيد قيمتها عن أربعين دولارًا تصبح تلك الهدية ملكًا للدولة وليس للحاكم، بينما عندنا الدولة بأرضها وشعبها تصبح ملكا للحاكم.
الحاكم في الغرب بشر يخضع للنقد والتوجيه، وهو في الشرق قدر وقضاء لا رد له، يحل على الأمة كالمرض الوراثي الذي لا شفاء منه، ولا نعرف متى ولا كيف يذهب أو تنقشع عن الشعب غمته...!!.
الحاكم يتم اختياره في الغرب وفق شروط معينة منها النـزاهة والمستوى العلمي والقدرة على إدارة البلاد بكفاءة، بينما بعضهم عندنا بينه وبين التعليم جفوة تصل إلى حد العداء، "ويكاد يفك الخط بالعافية" يأتي إلى الحكم جائعا خائفا فيملأ جيوبه ويملأ سجونه ويتجذر في السلطة حتى الأعماق، وبذكاء نابع من حب البقاء في السلطة يربط مصيره ووجوده بوجود طوائف من المنتفعين وأهل الحظوة ممن حوله، فيدافعون عن بقائه ووجوده دفاعهم عن أنفسهم ومصالحهم...!!.
ونتيجة العطاء المجزي والذي يصل إلى حد الخيال يتم شراء أشخاص تراهم الأنظمة هم الأقدر على تحقيق أهدافها، ومن ثم تفرض شخصيات معينة على رأس المؤسسات الأكثر تأثيرا في الرأي العام ليتم ارتباطها لا بواجباتها في خدمة الأمة ومصالحها، وإنما بتوجهات النظام، ومن ثم تتحول تلك المؤسسات إلى بوق تكون مهمته تسويق فكر تلك الأنظمة وسياساتها، ولو كانت على حساب الوطن والمواطن لا فرق، ومن خلال هؤلاء يتم توجيه الثقافة والكتابات، ذلك فضلا عن تشويه صورة المعارضين واتهامهم بكل عيوب الأرض بدءا من العمالة والتمويل من الخارج وانتهاء بالإقصاء والطرد والسجن غالبا.. ومن شذ عن القطيع من الكتاب ولم يمكن ترويضه أو تدجينه يُضيق عليه ويكون جزاؤه الإبعاد حتى ولو كان ممن قامت تلك المؤسسة على أكتافهم؛ ولذلك شاهدنا في عالم الثقافة مزادات ومزايدات، بِيعت فيها أقلام وارتفعت فيها أعلام تتسابق لإرضاء البلاط وتقديم الخدمة الثقافية الأكثر ضجيجًا والأعلى صوتًا، وغاب التجرد في البحث عن الحقيقة، ليحل محله التفرغ للنهب في المال العام، كما توارت أمانة الكلمة وحلت محلها أمانة الديوان الملكي، وأمانة الحزب، وأمانة سر النظام، وغابت الحكمة في تحديد العدو وإفشال مخططاته وأهدافه، وحماية الوطن من تربصه وشره، لتحل محلها حكمة القائد والملك في التمسك بمبادئ وأسس المبادرات التى ماتت ورفضها العدو من أول يوم، وخريطة الطريق التي بليت، والتمسك بخيار السلام الاستراتيجي، وماتت الرغبة في تحرير الإرادة لتحل محلها الرغبة في بقاء السلطة والسلطان إلى آخر العمر، وضاعت المسؤولية في الاستجابة لمطالب الشعوب لتحل محلها سرعة الاستجابة في تحقيق رغبات العم سام، ما ظهر منها وما بطن، ما صرح فيها بمطالبه، وما تمناه ولم يظهر على لسانه "الطاهر" حين شرفنا بزيارته لنا ورقص فرحا واختيالا في أرضنا فمنحناه ساعتها سيف عروبتنا.
وتحول المثقفون من عين على السلطة ليكونوا عيونا للسلطة، ومن رقيب عليها ليكونوا مدافعين عنها منحازين لها ضد جماهير الأمة وسوادها الأعظم، ومن خلالهم تتم فبركة القضايا وتفصيل القوانين لتكون بالمقاس وفق رغبة الحاكم وهواه المطاع.
حتى ألف وأحد ممن كان يوما في موقع ثقافي كبير، كتابا بعنوان "مثقفون تحت الطلب".
وهذا في الحقيقة واقع مثير ومستفز بالنسبة للشرق عموما والعالم العربي والإسلامي بشكل مخصوص، هذا الواقع المؤلم والمستفز يجعل من الضروري قبل الدخول إلى أي حوار من عملية مراجعة مع الذات نعرف من خلالها: أولا من نحن؟
وهذه نقطة حيوية، والتركيز عليها مطلوب -شرحا وتوضيحا- لأن سوء الفهم فيها قد يعرقل مسيرة الحوار وربما ينحرف بمساره ومصيره لما لايحمد بين كل الأطراف.
نقطة البدء هنا تبدأ بتنظيف الحقل الذى اختلط حابله بنابله، وذابت فيه النائحة الثكلى بالنائحة المستأجرة؛ ولذلك فالحوار مع الذات يجب أن يسبق الحوار مع الآخر، ويبدأ أولا وفى الداخل قبل الحوار مع الآخر في الخارج. ولا سبيل إلى ذلك إلا بعد التخلص من فوضى العشوائيات في عالم الثقافة والسياسة لأنها هي التي تمنح المتربص فرصته لعيبث بأمن بلادنا ويعيث فسادًا تحت ستار حماية الأقليات الدينية أو العرقية أو المذهبية، كما حدث من قبل ولا زال يحدث، ومن هنا يكون الحوار في الداخل والخارج على قاعدة صحيحة ومن خلال منطلق صحيح.
وذلك يتطلب المصالحة مع الذات السياسية والفكرية والثقافية، وإنهاء القطيعة بيننا وبين تراثنا الذي تنكرنا له وغيبناه في كل حوار.
ومن ثم وجب أن نسأل أنفسنا السؤال الأصعب والأكثر تعقيدا وتداخلا وهو سؤال الهوية، وما يستلزمه ذلك السؤال ويتبعه ويليه من أسئلة أعرف أن طرحها على النفس صعب ومزعج، لكن الإجابة عليها ضرورية لتحديد إمكانيات الذات حين تتعامل مع الآخر.
وهل ستكون إجابة الشرق عليها تفصيلا من منطلق الأعراق والأجناس والعقائد؟ والشرق ملئ وثري بهذا التعدد؟
ومن ثم يكون السؤال -على سبيل النموذج والمثال- هو: أنحن مصريون من أصل فرعونى؟ ولذلك فالقطرية أولا ونحن نتحاور أو نتفاوض على هذا الأساس؟ أم نحن عرب مسلمون؟ فتكون العروبة هي الوطن الأكبر، ويكون الإسلام هو إطارها عقيدة وثقافة، وهل تكفي العروبة وطنا كبيرا يجمعنا؟
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم نجتمع بعد؟
ثم ماذا عن المسلمين من غير العرب؟
وماذا عن العرب من غير المسلمين؟
وأحسب أن الخروج من مأزق الإجابة عن طريق التجزئة والتقسيم والتفتيت يكمن في اعتبارنا جميعا مسلمون ثقافة، وشرقيون وطنا وأجناسا وعقائد.
وبذلك لا يتحول ثراء التعددية الدينية أو المذهبية أو العرقية في الداخل إلى قنبلة موقوتة يضغط بها علينا من لا يريد بالمجتمع خيرا، ولا يرغب لهذه الأمة في أمن أو استقرار.
وعلى ضوء تلك الإجابة يمكن أن يكون لنا خيار في القبول أو الرفض، فنحدد ما الذي نقبله وما الذي نرفضه؟ ويكون لدينا منظومة من القيم تعكس واقعا على الأرض يمكننا من الحوار بأقدام ثابتة، والقدرة على التعامل مع المتغيرات مع الاحتفاظ بالخصوصية.
* إن العودة إلى الذات تتطلب قدرا من الثقة تزول معها حالة الالتباس وسوء الظن بين السياسة وبين الثوابت والمتغيرات من ذلك التراث، ولابد أن تتضح الفروق بين الوحى المعصوم قرآنا وسنة، وبين المخزون الفكري والثقافي لعلمائنا، على أن يتم التعامل معه بقدر كبير من الاحترام والتقدير، وبعيدا عن القداسة والعصمة التى لم تثبت لغير القرآن والسنة.
وليس مقبولا أو معقولا أن ننكفئ على الذات مكتفين بالماضي التليد، ذاكرين بأنه قد كان لنا مكان الصدارة في يوم ما، وكنا نحن العالم الأول.
كما أنه ليس مقبولا ولا معقولا أن ننطلق في حوارنا مع الآخر متجردين من ثوابت هويتنا العقدية والثقافية، وهي ثوابت حية فى وجدان وشعور شعوبنا، فنتخلى عنها وكأننا ريشة في مهب الريح لا جذور لها ولا تاريخ لديها، في الوقت الذي نستجيب فيه لمطالب أطراف أخرى تحاول إحياء تراث ميت وثقافات ميتة وسخافات تتحدث عن شعب مختار وشعوب خلقت للهوان والخدمة.
ثالثا: لابد أن تكون تلك الاستجابة مؤطرة بسقف معرفي يحمل فى رؤيته بجانب ثوابتنا البعد الإنساني لما تحمله قيم الآخرين من خير أو شر، ويأخذ في الحسبان -ونحن بصدد الحديث عن حوار مع الآخر- الاعتبارات التالية:
o أن الفطرة قاسم مشترك بين البشر، كل المجتمعات وكل الشعوب والأمم، مهما اختلفت الأجناس والألوان واللغات.
o أن الحضارات تراكمية وبينها تلاقح وأخذ وعطاء.
o أن التفاعلات في الأفكار والثقافات وما لذلك من تأثير في نسق القيم السائدة كل ذلك ينتقل من عصر لآخر ومن بلد إلى آخر ومن حضارة إلى حضارة أخرى، وخصوصا ونحن نعيش عصر السماوات المفتوحة بفضائيات تفوق الحصر والعد.
فإذا أضيف إلى ذلك ما أنتجته وسائل العصر من منظومة اتصالات تجاوزت بالصوت والصورة كل الحواجز والحدود، إذا وضعنا ذلك في الاعتبار فإن قضية الانفتاح على الآخرين والتعرف على ما لديهم -ثقافة وحضارة- تصبح مطلبا ملحا للاستفادة مما تحقق هناك( ).
رابعا: الاستجابة للتحدي لابد أن تنطلق من رؤيتنا نحن رغم الضعف والهوان، وبعيوننا نحن، ووفق ثوابتنا نحن رغم العمى الإرادى الذي يصيب بعضنا، ثم لابد أن تكون تلك الاستجابة محسوبة بما نملك فعلا، لا بما نتمنى أن نملك.
هذا هو السياق التاريخى والزمنى الذي يتم فيه الحوار. وهو سياق مشحون بالتناقضات عندنا وعندهم، لكنه بالنسبة لنا ليس قدرا مقدورا لا يمكن الفرار منه أو الإفلات من ضغطه، وإنما هو نوع من التحدى يجب أن يستفز فينا غريزة حب البقاء الحضارى فتكون الاستجابة بحجمه وكمه وكيفه في يقظة الهمم وبعث العزائم والإرادات التى ثبت تاريخيا أنها غيرت أمما وانتقلت بها من مؤخرة الصفوف إلى مكان السيادة والقيادة، ونفضت عنها غبار التخلف والعجز، وذلك هوالمعنى الذي خطه قلم الشاعر أبى القاسم الشابي حين قال:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجـيب القدر
ولا بد لليـل أن ينجـلى ولابـد للقـيد أن ينكسـر
فهل تكسر إرادتنا قيود العجز والتخلف والتبعية وتتحقق بشروط سنة الله في التغيير الحضارى والتى تعمل عملها ولم تتخلف يوما تحقيقا لوعد الله في الموت الحضارى أو الإحياء الحضارى؟
(..إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..) (الرعد: 11).
وساعتها ستتكافأ كل الشعوب في الفرص، ولن يكون الثراء في جهة والفقر في جهة أخرى، كما لن يكون الفرح من نصيب قوم، وتكون كل الأحزان من نصيب آخرين.
ومن ثم تغيب من ساحتنا الثقافية والاجتماعية تلك التناقضات التى رددها الشاعر حين قال:
فرح هنــا وهناك قـام المأتم
شعب ينوح وآخر يتــرنم
أسباب الحوار ودواعيه:
العمق التاريخى وإشكالية التحيز قبل 11 سبتمبر:
لئن بدا أن الغرب يضيق صدرا بالوجود الإسلامي في داخله، فليس هذا الضيق بجديد، فمن قبل قد ضاق صدره بالتعددية المذهبية داخل النصرانية نفسها، وكلنا نعرف تاريخ الحروب التى شُنت لا على المخالفين في الدين فقط بل على المخالفين في المذهب الواحد.
يقول الدكتور محمد عمارة:
"لقد ضاق صدر الغرب حتى بالتعددية المذهبية داخل النصرانية ذاتها، فامتدت الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت أكثر من قرنين..واشتهر منها إحدى عشر حربا
1. (1562 ـ 1563 )
2. (1567ـ 1568 )
3. (1569 ـ 1570 )
4. (1572 ـ 1573)
5. (1574 ـ 1576)
6. (1576ـ 1577 )
7. (1580 )
8. (1585ـ 1594 )
9. (1596)
10. (1621)
11. (1625- 1629 )
ولقد هلك وأبيد في هذه الحروب داخل الدين الواحد نحو 40 % من شعوب وسط أوروبا أي نحو عشرة ملايين حسب إحصاء الفيلسوف الفرنسي " فولتير " (1694 ـ 1778 ) بينما لم يتعد عدد الذين قتلوا في جميع غزوات وحروب الإسلام ضد الشرك والمشركين طوال غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم من شهداء المسلمين وقتلى المشركين 376 قتيلا فقط لاغير.
ولوأن المشركين تركوا المسلمين وما يدينون، ولم يفتنوهم في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم، لما أسال الإسلام قطرة دم واحدة من "الآخرين "( ).
هذا هو واقع الغرب تاريخيا، فهل يتغير هذا الواقع ليحل محله روح التفاهم والتسامح مع الآخر والعمل على تأكيد مشاعر الاحترام المتبادل والعيش المشترك؟
وبعد 11 سبتمبر:
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر دخل العالم في نفق غريب مظلم، عنوانه الحرب على الإرهاب، أراد الوحش من خلاله أن يتحكم في كل من تاهوا وضلوا الطريق، أو قادهم ضعفهم وحظهم التعيس أن يعيشوا في زمن الوحش، وأن يجاوروه ولو في مكان قصي على كوكب الأرض، ومن ثم يتعاملون معه وفق مراده وهواه، قوائم تصدر كل عام من جهة واحدة "الخارجية الأمريكية" هي التى تحدد أماكن وحجم واختراق حقوق الإنسان، ثم قوائم أخرى تصنف من كان "ضد" ضمن قوائم الدول التى ترعى الإرهاب، ومن ثم يفرض عليها الحصار وتسن قوانين تنفذ من خلال المنظمات والمؤسسات الدولية بالحصار والتجويع والعزلة.
وتحول البطل المملوء بغرور القوة إلى وحش جديد، يدفعه أبالسة اليمين المتطرف الذين يعيشون على الفتنة إلى جنون التسلط ومغامرات الموت في استغلال واضح لذكائه المحدود تحت دعوى أنه مبعوث السماء لتنفيذ وعود الرب وتحقيق مملكته على الأرض.
وكان لابد من صنع حدث ضخم يهز الوجدان العام، ويملأ الصدور بالكراهية ويثير الرعب والفزع -من عدو موهوم- يريد أن يطفئ أنوار الحضارة ويصادر الحريات، ويعود بالناس والحياة إلى عصور سحيقة من التخلف والبدائية، وبدأت أجهزة دعايتهم وإعلامهم -خصوصا بعد الحادي عشر من سبتمبر- تمارس دورها في تهيئة الأرض وتجهيز النفوس وشحن الرأي العام بطاقة من الغضب تجعله يؤمن بضرورة التخلص من هؤلاء الأشرار البرابرة الذين يسمون بالمسلمين ويعتقدون في إله الخراب الذي يعبدونه، وعندئذ يكون للانتقام ما يبرره، وليصبح سحق المخالف ضرورة لحماية السلام العالمي يفرضها مجلس الأمن ويقوم على تنفيذها بأيد طليقة وعدالة مطلقة البطل الواحد والوحيد.
ومن ثم راح البطل يقلق راحة البشر، ويثير الرعب بالدعوة لحروب عبثية يدفع العالم إليها ويجند لها الدول والجيوش، ويعلن شعاره المعروف" من ليس معنا فهو ضدنا".
وبناء على هذا التقسيم المجحف تحول العالم إلى "مع" "وضد"، فإما أن تكون معهم بلا عقل ولا إرادة ولا اختيار، وإما أن تكون مع الإرهاب الموهوم، غير أن بعض دول العالم اكتشفت سر اللعبة، وأدركت بعض دول أوروبا وأسيا أن غرور القوة يمكن أن يدفع بأصحابه تحت دوافع السيطرة وجنون التسلط إلى مغامرات غير محسوبة، وهنا أدرك اليمين المتطرف أن السم لا بد أن يغلف بغلاف رقيق الملمس حلو المذاق حتى تستطيبه ألسنة المخدوعين وتستمع إليه آذانهم، فراحوا يتحدثون عن العولمة والكونية الجديدة وانتشار قيم الديموقراطية وثقافة السلام، وهم يقصدون بها طبعاً أن يموت كل خصومهم بصمت وسلام، وبخاصة إذا كانوا من المسلمين.
ضرورة وجود بدائل في العلاقات الدولية:
كل هذه العوامل مجتمعة دفعت العقلاء في الشرق والغرب معا -بعد الإحساس بالخطر- إلى ضرورة إيجاد صوت للعقل مقابل هذه الهمجية المنظمة التى استعملت كل وسائل الفتك والقهر والتدمير المادى والمعنوى، ومن ثم كان لابد لصوت العقل والإنسانية أن يعلن عن نفسه ليذكر البشر أنهم من أصل واحد، وأن بينهم من الإنسانية وشائج يجب أن تحترم، وأن لهم مصلحة في العيش تحت مظلة السلام الذي يقوم على العدل، وأن الأصوات التى تشكل نشازا في تاريخ الإنسانية ولم تجلب لها غير الدمار والشقاء يجب أن تتوارى، وأن تكف عن تأجيج نيران الأحقاد وإثارة العداوات وتقسيم العالم إلى محاور للخير والشر.
من هنا نشأت الحاجة إلى ضرورة التواصل لطرح بدائل في العلاقات الدولية تقوم على التكافؤ وتدعو لاحترام حقيقي لحقوق الإنسان. ومن ثم كانت مؤسسات المجتمع المدنى ومنظمات حقوق الإنسان ملتقى للشرفاء والأحرار والذين يعنيهم الأ يكون مستقبل البشرية في مهب الريح، يمسك بزمامه أولئك الذين لا هم لهم ألا تجارة الموت ولوكان الثمن فناء البشرية ودفعها لحروب عبثية تأكل الأخضر واليابس.

محاذير تفسد بيئة الحوار:
سوء الفهم يؤدى إلى الصدام والمواجهة:
ثمة فروق جوهرية بين الحوار والمواجهة، فالحوار محاولة دؤوبة لاكتشاف كل طرف لجوانب الغموض في الطرف الآخر، ومعرفة المناطق المثيرة للقلق أو للغضب حتى يمكن تجنبها، ولا يتم ذلك دون إزالة الحواجز النفسية بين أطراف الحوار، ومن ثم يكون الحوار أول مراحل الفهم في طريق الوصول إلى الحقيقة، وإذا كان الحوار كذلك فإن المقابل للحوار هو الصدام، أو بعبارة مخففة هو المواجهة، والمواجهة أشبه ما تكون بصدمة كهربائية غالبا ما تفقد المصدوم صوابه وتخرجه عن طور الاعتدال والتعقل، ومن ثم كان الحوار ضرورة لتجنب كل مخاطرالصدام والمواجهة.
• الحواجز النفسية
والحوار هنا كي ينجح ويؤتى ثماره لابد أن تتوافر له البيئة المناسبة التى تساعد الأطراف كلها على الحوار لا على المواجهة، وذلك يمكن أن يتحقق بشرطين:
الأول: هو الوضوح والصراحة، والرغبة الملحة في الوصول إلى شئ إيجابى يختصر المسافات ويخترق الحواجز النفسية ويبنى جسور الثقة بين كل الأطراف.
الثانى: أن يحرص الجميع على الخروج بوصف الحوار من أن يكون شكلا أشبه بالديكور استجابة لرغبة سياسية ليكون رغبة حقيقية في التفاهم والتعايش واحترام الخصوصيات وقبول كل طرف للطرف الآخر.
• ضرورة الانفتاح على الآخر
وإذا كانت آفاق الحوار وغايته تستهدف الوصول إلى القيم الإنسانية المشتركة، وتجعل منها أساسا لتحقيق السلام والعدل، فإن الوصول إلى هذه الغاية يتطلب قدرا من الانفتاح والموافقة على طرح القضايا المسكوت عنها دون الخوف من نكأ الجراح القديمة، فالمجتمعات لا تفقد ذاكرتها بعناق من كانوا بالأمس أعداء في ساحات القتال. كما أن تراكمات الماضى والحاضر لا يمكن أن تمحى من الوعي العام بين ليلة وضحاها، وحتى نتلاشى الوقوع فى شراك هذه الأحاسيس الكاذبة والوهم المريح لابد من الصراحة والوضوح والموضوعية ليكون أطراف الحوار في مأمن من خداع النفس الذى يدفع أصحابه إلى أخطاء تحرم الدنيا من الطمأنينة والأمن وتضيع معها فرص السلام والعدل. هناك مناطق ذات حساسية خاصة كانت ولا تزال مصدر الاختلافات والتناقضات بل والصراع الدموى أحيانا، وخلفت في الوجدان مساحات ضخمة من الكراهية، وولدت الكثير من التعصب،وهذه المناطق يجب أن تكون لها الأولوية المطلقة ولو بشكل تدريجى إن كانت كل الأطراف جادة في العمل على فض الاشتباك المزمن بين الغرب والإسلام؟ بيد أن هذه المناطق لا تزال بعيدة عن الحوار وهى أشبه ما تكون بالمناطق المحظورة التى يمتنع فيها الاقتراب أو التصوير.
في الحوارات التى تمت حتى الآن في هذه المجالات لم يتحقق شئ يذكر؛ ذلك لأن بعض أطراف الحوار له همومه التى تؤرقه وتقض مضاجعه، بينما الطرف الآخر مثلا لا يريد أن يتحمل مسؤولياته. ومن ثم يهرب في الحوار من طرح هذه القضايا، متحججا بأنها تتجاوز سقف الحوار ومستواه؛ لأنها ترتبط بأبعاد سياسية لا يملك البت فيها إلا أصحاب القرار، وذلك مستوى آخر ليس في إمكان المتحاورين أن يفعلوا فيه شيئا غير إسداء النصيحة غير الملزمة.
• ما يجب أن يطرح غير ما نحب أن نستمع إليه
وتلك حالة تتكرر كثيرا في كل الحوارات التى تمت، فالآخر تستطيب أذناه دائما أن يظل العالم الإسلامى في دائرة الاتهام، ومن ثم عليه أن يعتذر عن أفعال لم يرتكبها، ويستغفر من ذنوب لم يقترفها، ومن ثم تظل دائرة الحوار متجهة وفق ما يريده الآخر ويهواه، ولذلك تضيع المعالم الهامة للحوار وتختلط القسمات ويسود الغموض وضباب الرؤية، ويتحول الحوار هنا إلى شكل من أشكال فرض إرادة الأقوى.
• مرجعيات على التفصيل وبالمقاس
يعمل الغرب على خلق واعتماد مرجعيات جديدة تكون لينة الجانب، ذات هشاشة ثقافية لا تستوعب أحداث التاريخ ولا تعى دروسه ومن ثم فهى لا تحمل الغرب أية مسؤولية لا تاريخية ولا أخلاقية عما حدث من تخريب وتدمير في العالم الإسلامي قديما وحديثا، بداية من الحروب الصليبية في طورها القديم، وانتهاء بفلسطين والعراق وأفغانستان، ومن ثم فهو لا يفضل في الحوار مرجعيات إسلامية تحمل صفة الندية، وإنما يريد مرجعيات لا يتعامل معها فقط، بل يوجهها هو، ويسيطر ويحدد من البداية أهدافها ووجهتها.
• معا على الطريق: الأزهر والفاتيكان
الطرف الآخر في الحوار يصرعلى تجنب الأخطاء التاريخية التى سببت كوارث ومظالم لا حصر لها، ويحاول أن يطرح بدائل بدهية كالإيمان بالله وحب الآخر ومكارم الأخلاق.
وقد كان اللقاء الحوارى الذى عقد بين الفاتيكان والأزهـر بمقر المشيخة تحت عنوان "الإيمان بالله وحب الآخر ركيزتان للحوار بين المسلمين والمسيحيين"؛ وهو أحد الموضوعات التي طلب الفاتيكان أن تكون أساس اللقاء الحواري مع الأزهر.
وذلك موقف محير، لأن هذه البدهيات ليست محل خلاف وإنما محل الخلاف هو الميراث الضخم من الإساءات والذى لا يزال مستمرا وحتى دون اعتذار ومن البابا نفسه، وهذا مما يشكك في جدية الحوار وجدواه.
وتلك عقبات في طريق الحوار يمكن أن تقضى عليه من أول جولة مالم تتسلح أطرافه بالإصرار على المضى قدما، وتتحلى بالصبرعلى سماع الحقيقة وقبولها ولو كانت مرة، والشجاعة على الاعتذار في الوقت المناسب.
* * *

الفصل الخامس
حوار أم مواجهة؟
خطورة التركيز على خطاب التقاطع والصدام
حين وُضع الإسلام في مقابل الغرب نلاحظ أن الذي شاع في الفترة الأخيرة وربما لأهداف مقصودة هو التركيز على ثنائية التضاد والتناقض.
وحين نتحدث عن الغرب لا يجوز أن يكون خطاب التقاطع والمفاصلة هو الخطاب السائد في كل حال، والباحثون والمحللون لشئون العلاقة بين الشرق والغرب يقولون بأن البواعث والدوافع لخطاب التقاطع والعداء للغرب يمثل رد فعل ليس فقط لممارسات الغرب الاستعماري نفسه وإنما أيضا لفلسفته وتبنيه لسياسة اليمين المتطرف الذى يملأ الدنيا بالتشويه والتدليس والانتقاص من الإسلام ونبيه وإشاعته لألوان من الأساطير والخرافات حول المسلمين وعقيدتهم ونبيهم، ويسوقون على ذلك أدلة من كتابات غربية مهدت لمناخ الصراع وهيأت الأرضية الخصبة التى تتولد فيها بذورالكراهية وينمو فيها التطرف ضد الإسلام والمسلمين، الأمر الذى نتج عنه ما يسمى " بالإسلامفوبيا "ولم تكن هذه الحملة وليدة اليوم ولا كانت نتاجا لأحداث 11 سبتمبر وإنما بدأت قبل ذلك بكثير وتبناها مفكرون يمينيون ولم تكن نظرية نهاية التاريخ لفرنسيس فوكوياما ونظرية صراع الحضارات لصموئيل هنتنتجنتون إلا صدى لهذه المدرسة السيئة التي يتولى كبرها بابيبس وتوماس فريدمان ومن قبل شيخهم المستشرق الصهيونى برنارد لويس الذى يؤكد أن حالة الكراهية التى تسود العالم الإسلامى ليست نتيجة المظالم التى لم يعترف لويس بأنها مورست ضدهم، وإنما ترجع هذه الكراهية لحالة هزيمة الحضارة الإسلامية أمام تقدم الغرب ومن ثم فهى رد فعل حاقد وغاضب من حضارة متوهجة هزمت حضارة المسلمين ثلاث مرات وغزت مجتمعاتهم بأفكارها في عقر دارهم، ومن ثم فهو يؤكد "أن جزءا من العالم الإسلامى يمر بفترة يوحى فيها الإسلام لبعض من معتنقيه بمزاج من الكراهية والعنف ويشير إلى ثلاث مراحل متعاقبة من الهزيمة على أيدى الغرب على مدى القرون الثلاثة السابقة أو نحو ذلك.
فأولا: خسر الإسلام أمام القوة المتزايدة التقدم لروسيا والغرب.
وثانيا: أتى تقويض سلطته فى بلده هو من خلال غزو الأفكار والقوانين وطرق الحياة الأجنبية وأحيانا حتى الحكام أو المستوطنين الأجانب ومنح حق الاقتراع للعناصر غير المسلمة:
والثالث: -القشة الأخيرة- كان تحدى سيادته فى بيته الخاص من جانب النساء المتحررات و الأطفال المتمردين. كان هذا يفوق قدرته على التحمل وكان انفجار الغضب ضد هذه القوى الغربية الكافرة المبهمة التى دمرت سيادته، وأخيرا انتهكت حرمة بيته محتما.
لقد أنتجت العوامل الثلاثة السابقة شعورا بالإذلال، وولدت وعيا متزايدا بين ورثة حضارة قديمة فخورة سادت زمنا طويلا بأنهم قد سبق وهزموا وسحقوا على أيدى هؤلاء الذين اعتبروهم أدنى منهم). وفى النهاية أصبح هذا الغضب موجها بالدرجة الأولى ضد الولايات المتحدة. وأصر لويس على أن هذا الأمر لا صلة له بدعم الولايات المتحدة لنظم قمعية فى العالم الإسلامى أو لإسرائيل أو الاستعمار الأمريكى أو بأى شىء آخر فعلته أو تفعله الولايات المتحدة"( ).
يعلق زكارى لكمان على مقالة برنارد لويس المذكورة والتى نشرت قبيل استعداد القوات المسلحة للولايات المتحدة وحلفائها للحملة التى تشن على العراق في حرب الخليج الثانية قائلا". قدمت مثل هذه المقالات للأمريكيين تفسيرا سهلا ومريحا لوجود هذا القدر الكبير من الغضب والاشمئزاز تجاه الولايات المتحدة بين العرب والمسلمين - وفى هذه الحالة. فهذا الغضب وفقا للويس لا يرجع فى العمق إلى أى شىء قد فعلناه ((نحن)) فى الغرب أو نفعله ولا حتى بسبب إدراك الآخرين الخاطىء لأفعالنا وسياساتنا وإنما يرجع أساسا أو حتى فقط إلى عيب عميق فى الحضارة الإسلامية يرجع إلى جرح ظل مفتوحا ويبدو أنه لن يندمل حقا إلا إذا كف المسلمون عن أن يكونوا مسلمين.
أما مقلدو برنارد لويس الأقل منه مهارة. فأحدهم هو توماس فريدمان وكان مراسلا لصحيفة نيويورك تايمز ولكنه أصبح خلال عقد النجم الإعلامي والمعلق الرئيس على الشئون الخارجية. وقد قدم مقالا نشر فى جريدة التايمز فى أكتوبر 1990 لم يكتف فيه بتقليد برنارد لويس في اعتبار الإسلام حضارة مجروحة والنزعة الإسلامية فى كل أشكالها مرضا وتهديدا كامنا للغرب، بل أكد مع مجموعة أخرى من أصحاب نفس التوجه اليمينى المتصهين فى المقالات ومداخلات الصحف والمحاضرات العامة ومناسبات الظهور فى الإعلام وطوال التسعينيات أن النزعة الإسلامية قد حلت محل الشيوعية باعتبارها الخطر الأكبر على الغرب (وإسرائيل) وأن اجتثاث هذا الخطر لا يكون إلا بموقف عدوانى حازم بما فى ذلك استخدام القوة العسكرية.
أما الانتباه إلى المظالم السياسية والاجتماعية التى أدت بالناس فى العالم العربى والإسلامى إلى الالتحاق بالجماعات الإسلامية أو دعمها فحماقة، كما لا يعقل أن نتوقع أن مثل هذه الجماعات يمكن أن تكون راغبة أو قادرة يوما على تحمل الديمقراطية نظرا لأن الإسلام أوتوقراطى وغير متسامح بطبيعته ذاتها.
النـزعة الإسلامية شمولية وتولد الإرهاب، بهذا الوضوح وهذه البساطة ليس هناك إسلاميون معتدلون أو قابلون لأن يكونوا ديمقراطيين يستحقون جهد الكلام عنهم" ( ).
يعلق زكارى لوكمان على ذلك القول بذكر بعض الوقائع الدالة على تناقض المواقف وازدواجية المعايير، فيقول: "هناك جانب ربما يكون مثيرا للسخرية بصفة خاصة فى الحالة الإسرائيلية لأنه فى السنوات التى سبقت مباشرة إنشاء إسرائيل فى 1948 كان بعض من سيصبحون لاحقا قادة سياسيين إسرائيليين بارزين تعتبرهم الحكومة الاستعمارية البريطانية لفلسطين إرهابيين أشرارا. فمثلا كان اثنان من رؤساء وزراء إسرائيل هما مناحم بيجن وإسحاق شامير تطاردهما السلطات البريطانية للقبض عليهما لقيادة منظمات شبه عسكرية يهودية سرية قامت بما اعتبره البريطانيون إرهابا، حيث تم الهجوم وإلقاء القنابل على مواقع بريطانية مما أدى إلى خسائر مدنية وهجمات بالقنابل على مدنيين عرب أبرياء وهكذا. بالطبع لم يعتبر كثير من اليهود فى فلسطين ولاحقا فى دولة إسرائيل هؤلاء الرجال ورفاقهم فى السلاح إرهابيين وإنما مقاتلون من أجل الحرية ووطنيون. وينطبق نفس الأمر على عملاء المخابرات الإسرائيلية الذين زرعوا قنابل عام 1954 فى مبان أمريكية وبريطانية فى مصر فى محاولة لتعطيل التحسن الجارى فى علاقات البلاد مع الغرب كما ينطبق على المسئولين الإسرائيليين الذين أمروا فى نفس العام بالاستيلاء على طائرة ركاب سورية لأخذ رهائن لمبادلتهم بجنود إسرائيليين مأسورين.
ولكن حين تبدلت المواقع لم يستطع سوى إسرائيليين قلائل أن يفهموا كيف يحيى فلسطنيون مواطنيهم الذين يعتبرهم الإسرائيليون إرهابيين أشرارًا بوصفهم مقاتلين من أجل الحرية ولا كان هناك فهم يذكر، لأن الإرهاب هو تكتيك وسيلة استعملها أناس كثيرون (بما فيهم اليهود) حين شعروا أنهم يفتقرون إلى خيارات أكثر فاعلية فى القتال ضد عدو متفوق عسكريا. وحتى يومنا هذا سعى المسئولون الإسرائيليون لاختزال مجمل النضال الفلسطينى إلى إرهاب"( ).
الرافضون لفكرة الحوار في الشرق:
في الشرق كما في الغرب طوائف ترفض الحوار، وترى أنه مضيعة للوقت والجهد، والغرب عند هؤلاء مجرد آلة جديدة، تريد صهر العالم كله في منظومة واحدة لا تسمح بالتميز ولا تقبل بوجود الخصوصيات.
ويرى هذا الفريق: أنه في عصر الهيمنة الفكرية وسيطرة وسائل التأثير وصياغة الرأي العام من ِقبل جهات ومؤسسات وشركات متعددة الجنسيات تحاول عن طريق التخطيط والبرمجة اختراق المجتمع وتغيير بنيته الثقافية والاجتماعية وحتى الأخلاقية والدينية، وتحرص دائما على إبقائنا داخل دائرة العجز والتخلف والتبعية، ومن الضروري في مثل هذه الظروف حماية الذات؛ لأنها في ظل تلك العوامل والمؤثرات تتعرض لعملية مسخ اجتماعي وثقافي ومسح لعقول الأجيال، وتفريغ لمحتواها القيمي والأخلاقي بغسيل أدمغة أبنائها وتعريضهم للدمج والذوبان، ومن ثم تتحلل شخصية الأمة وتفقد عناصر تكوينها العقدي والأخلاقي، وهي بغير شك عناصر الرفض والمقاومة للتبعية الأجنبية، ومن هنا يجب التنبيه والتحذير والتذكير أننا أمة مستهدفة، وأن المسلمين على وجه مخصوص مستهدفون من ِقبل أمريكا والغرب.
مستهدفون في عقائدهم.
مستهدفون في ثرواتهم.
مستهدفون في أخلاقهم.
مستهدفون في تراثهم وتقاليدهم.
وقد أثبتت التجارب وأحداث التاريخ أنه لم يفد إلينا -وهكذا يقولون- من الغرب إلا كل ما يهدد حياتنا ويفشي فيها أمراض التخلف والتبعية والعجز المذل، ولم نجنِ من هذه العلاقة إلا كل رخيص مبتذل، ولم يهب علينا من الغرب إلا رياح الخماسين المحملة بجراثيم الوضاعة والمعصية وفقدان المناعة،وهي رياح وفدت علينا لا لتطور أو تساعد على التنمية والتقدم، وإنما هبت لتخرب وتدمر، والتقدم المرجو لا يتم إلا بعيدا عنها.
يقول الأستاذ منير شفيق: "إن التقدم في الوطن العربي لا يتم عن طريق التوفيق والانتقاء أو عقد مصالحة بين الريحين فهذا غير ممكن لأن كلا منهما له منابع انطلاقه وعوامل اندفاعه، ولكل منهما مكوناته الداخلية وإطاره العام ونمطه، ولا مجال لتغيير هذا التضاد. لقد جاءت ريح الغرب إلى بلادنا لتقتلع زرعنا وتجفف ضرعنا وتدمر مقومات حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ثم خرجت أصوات تنادي بانتقاء الصالح من هنا وهناك من أجل إحداث النهضة والتطور، الحداثة تعني ريح الغرب أي ريح استعباد البلاد ونهبها وتحطيم مكوناتها الروحية والفكرية والإنسانية، أما حين تعني الهاتف والسيارة والمصنع والعلم والتقنية، فمجال الأخذ هنا قائم بل مجال الأخذ والاستيعاب وارد ولا يجادل في ذلك أحد، فالمواجهة ليست مع هذه وإنما مع رياح الغرب أفكارا وأيدلوجيات وعلاقات اجتماعية واقتصادية وإنسانية وقيم ومعايير وأنماط حياة. أو بكلمة أخرى ليست مواجهة مع العلم والتقنية والقوانين العلمية، لقد أثبتت الوقائع أن الأرضية الغربية التى سادت في بلادنا تحت شعار الحداثة لم تأت لتحقق تقدما وتطويرا لا على المستوى المادي ولا على المستوى الثقافي والفكري، بل دمرت عوامل التقدم والتطوير حين حطمت مصادر الاستقلالية وحولت الوطن الواحد إلى أوصال مقطعة وملحقة وتابعة، ومن ثم فلسنا ملزمين بأن ننظر وفق رؤاهم ونتطور وفق مسارهم وسياقهم، وهذا بالتحديد ما تصر عليه الحداثة على اختلاف ألوانها وضمن كل تناقضاتها الغربية، ومن هنا ينزف الجرح من التبعية والإلحاق والتمزق والتغرب ماديا وفكريا وروحيا، ومن ثم لا يكون الدواء إلا بالاستقلالية والسيادة والوحدة والأصالة ماديا وفكريا وروحيا ولكن هذه كلها لا تكون إلا حين نقف على أرضيتنا تراثا وتاريخا، ومن ثم نسلخ أنفسنا انسلاخا كاملا عن عالم أسيادنا كل أسيادنا"( ). وأصحاب هذا التوجه يستدلون بوقائع وكتابات لا حصر لها، للتدليل على أن الأمر أوضح من أن نسميه مؤامرة في تعمد تلطيخ سمعة الإسلام واستهدافه عقيدة وتاريخا وحضارة وأتباعا، فالمؤامرة تدبير في خفاء، أما هؤلاء فيمارسون عدوانهم واجتياحهم الثقافى لديننا وحضارتنا وتاريخنا علنا وفي وضح النهار، والغريب أنهم يصابون بالعمى الإرادي أمام الإرهاب الحقيقي الذى مورس ويمارس من عصابات الصهيونية في أرض فلسطين وأحرقت نيرانه بعض أبنائهم.
ويرى هؤلاء أن مراكز القوى والقرارات في الغرب يعبثون أخلاقيا بعقلية ونفسية رجل الشارع في الغرب، ومصرون في تعمد وسبق إصرار في كتاباتهم على عملية ارتباط شرطى غير علمى وغير شريف في ذهنية الرجل الغربى بين الإسلام والإرهاب، فأي حوار هذا الذى تدعون إليه؟
ويسوق هؤلاء أدلة كثيرة على حالة الهوس المتعمد في تشويه الإسلام والمسلمين -عرب وغير عرب- ولكن كثيرا ما يحظى العربي بالنصيب الأكبر من هذا التشويه، ولقد أشار إلى تلك الحالة كثير من الكتاب المعتدلين والمتخصصين في ثقافة الغرب الذين يهتمون بتحليل المواقف ويحرصون على منع الاحتقان وإزالة التوتر، ويعملون على تفعيل القواسم المشتركة بتنمية الحوار والتواصل ومنهم الدكتور حسن وجيه، ومع ذلك فالرجل رصد الكثير من حالات التشويه وأشار إليها، وأغلبها كان يتسم بالفظاظة وسوء الظن ولا يمكن أن ننسبه إلى سوء الفهم التقليدى والذي يمارس أحيانا من بعض الباحثين.
يقول الدكتور حسن وجيه " هنا نعود لنركز على أحد مستويات خطابات أنواع المعلومات وهو هنا خطاب المعلومات المضللةDisinformation والتى يمكن رصدها في إطار حملات عداء صارخ ترفض بالطبع فكرة الحوار الندي والعادل وتهدف إلى:
• وصم العالم العربي والإسلامي بالإرهاب والتطرف، ووصم الإسلام ذاته بأنه يحمل كل جذورالتطرف والإرهاب والتخلف، وكل هذه الصفات الجائرة التى تسعى دوائر الحملات المعادية إلى الترويج لها في العالم حتى يقتنع بمفهوم الفاشية الإسلامية Islamo Fascion الذي روج له فوكوياما، ويرى أن علاجها الوحيد هو شن سلسة من الحروب للإطاحة بها كما حدث للفاشية الهتلرية الغربية في الحرب العالمية الثانية، وإن اقتضى الأمر تدمير ثلث الوطن العربي والإسلامي على حد تعبير "فوكوياما "( ).
• القبول فقط بحوار الهيمنة الغربية وتأثير الإسلام والمسلمين في الإطار الغربي والرضوخ والاستسلام على الجانب العربي الإسلامي
• وصول حالة العداء والاستعداء والاستهتار إلى قمتها بمحاولة التدخل في المناهج، والمطالبة بحذف آيات من القرآن الكريم وغير ذلك من أساليب الرعونة المرفوضة.
• ويذهب د. حسن وجيه إلى القول : بأن التصدى لمثل هذا واجب على كل عربي ومسلم بهدف إفشال سيناريوهات التأطير والتقزيم الممهدة لمزيد من الانقضاض على الشعوب العربية والإسلامية وقطع الطريق وإفشال هذه التعبئة الدولية الجائرة التى تسعى لإحداثها الدوائر التى تضخ نماذج وأمثلة صراع الحضارات باستخدام آلة الإعلام الضخمة لإنتاج سيناريوهات الصدام الحضارى، الأمر الذى أدى إلى وجود إحصائيات سلبية توضح أن العالم ينحو نحو هذا التصديق للترويج التحريضى الخاطئ ضد العالم العربي والإسلامي إلى الحد الذي أثبتته استطلاعات أخيرة للرأي نشرته صحيفة فرانكفورتر الألمانية وجاء فيه: أن 82 % من الألمان يربطون الإسلام بالإرهاب" ( ).
• وحين كتابة هذه السطور نقلت وكالات الأنباء العالمية أن أحد الأشخاص الألمان قتل فتاة مصرية "مروة الشربيني" مرافقة لزوجها المبعوث لدراسة الدكتوراه من ألمانيا، وقد تم القتل في ساحة المحكمة وأثناء محاكمته بسبب سبها بأقسى الألفاظ وأقذاها ووصفها بالكافرة والإرهابية لأنها ترتدى الحجاب، وفي ساحة المحكمة وأمام هيئتها قام بطعنها بسكين ثمانية عشر طعنة، والأدهى والأمر أن زوجها عندما هم بإنقاذها قام ضابط الشرطة المكلف بالحراسة في المحكمة بإطلاق الرصاص لا على الجانى لينقذ الضحية، وإنما على الزوج الذي حاول إنقاذ زوجته ثم قام الجانى أيضا بطعنه ما يقرب من ثمانية طعنات، الزوج والزوجة نقلا إلى المستشفى،لكن الضحية فارقت الحياة،وبقيت داخل المستشفى 24 ساعة ولم تخبر الحكومة الألمانية أحدا بما جرى ولا حتى سفارة مصر في ألمانيا، وخلال الساعات 24 كانت الشرطة الألمانية تفتش بيت الضحية بحثا عن شئ يثبت أنها إرهابية، الجريمة تمت في ساحة المحكمة وتحت سمع وبصر القضاة وبآلة حادة دخل بها الجانى مخبأة في ملابسه أي أن نية القصد الجنائى متوفرة لدى القاتل، وأنه يعرف ماذا يفعل، ومع ذلك وجهت إليه المحكمة الموقرة تهمة القتل الخطأ. ولننقل ماجاء في موقع الجزيرة نت حول الموضوع.
"اعتبرت باحثة ألمانية بارزة أن العداء للإسلام -وليس كراهية الأجانب- هو الدافع الرئيس وراء قيام متطرف ألماني بقتل الصيدلانية المصرية مروة الشربيني طعنا بالسكين داخل قاعة محكمة دريسدن يوم الأربعاء 8 يوليو 2009م.
وفي تصريحات للجزيرة نت قالت مديرة معهد المسؤولية الإعلامية في نورنبرغ د. زابينا شيفر: إن مظهر الراحلة الدال علي انتمائها الديني، وسب الجاني أليكس ووكر لها ونعته إياها بالإرهابية الإسلامية جعل مما حدث في دريسدن أول جريمة قتل ترتكب في ألمانيا بدافع من كراهية الإسلام.
ورأت أن دأب الإعلام الألماني طوال العقود الأخيرة على تقديم صور سلبية للإسلام جعلته مرادفا للعنف والتخلف والاضطهاد، أسهم في تأجيج الكراهية المجتمعية لكل الرموز الإسلامية وفي مقدمتها الحجاب، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام الألمانية مارست تعتيما متعمدا تجاه قتل مروة الشربيني وصنفته كجريمة ذات أبعاد عنصرية لصرف الأنظارعن الدافع الحقيقي.
وذكرت شيفر أن جريمة دريسدن كشفت أن النواة التي بذرها دعاة التحريض ضد الإسلام ومن يدعمونهم في الوسائل الإعلامية الألمانية الرئيسية قد أثمرت هذا الحصاد المرير، ورأت أن "الدعاية التحريضية المتواصلة منذ ثلاثين عاما بهدف غسل العقول قد أوصلت كراهية المسلمين في ألمانيا إلى مستوى جديد".
وأشارت الخبيرة الإعلامية الألمانية البارزة إلى أن قتل الصيدلانية المصرية أظهر أيضا أن الدعوات الحثيثة لحصر الجدل الدائر حول الإسلام والمسلمين في إطار موضوعي، لم تجد آذانا صاغية من المعنيين بهذا الأمر.
كما نبهت إلى أن استمرار السياسة الألمانية في التقليل من شأن مناخ العداء المتصاعد ضد الإسلام في البلاد، ومواصلة تعاملها معه كمظهر للتعبيرعن حرية الرأي، سيؤدي إلى فقدان السيطرة على شرور مستطيرة ستتولد داخل المجتمع.
واستغربت مديرة معهد المسؤولية الإعلامية من عدم صدور كلمة إدانة واحدة من أي مسؤول ألماني لجريمة القتل في محكمة دريسدن، وتوقعت أن يزيد هذا الحادث من مخاوف المسلمين في ألمانيا ويحولهم إلى أعضاء جدد في سلسلة تضم اليهود والسود الذين فرض عليهم الواقع الخوف على حياتهم"( ).
في سياق متصل لحالات التعبئة العنصرية تم في أحد الولايات الأمريكية قتل شاب عربي بيد أحد رجال البوليس الأمريكيين لغير سبب معروف، وفي بحث الشرطة لمعرفة أسباب القتل استجوبت الشرطة بعض الناس بسؤال غريب هو: هل القاتل كان يتحدث مع أحد بلغة عربية؟ وكأن الحديث باللغة العربية دلالة اتهاب بإلإرهاب، رجل الشرطة القاتل تم الإفراج عنه في اليوم التالى، وفي نفس يوم الإفراج ذهب الجانى -والذى هو رجل الشرطة- إلى مسرح جريمة اليوم السابق للجريمة، وقتل شابا عربيا في نفس المكان. في الجانب الآخر تظهر ازدواجية المعايير بصورتها الممقوتة ضمن ممارسة غض الطرف عن ممارسة إرهاب الدولة عبر قرون، والسكوت عن مجرمين إرهابيين لوثت أيديهم بدماء الأبرياء ثم تحولوا قادة وكان منهم رؤساء حكومات فيما بعد.
هذا بعض ما تقدمه الدوائر القريبة من مراكز القرار في الغرب فهي ترجع كل العيوب إلى المسلمين ودينهم ولن ينصلح للمسلمين حال إلا إذا تخلصوا من هذا الدين، ومن ثم فالعيب لا يرجع إلى القهر والتخلف، والاستبداد ونهب ثروات الشعوب، وعدم احترام الدول، والتدخل في شؤونها الخاصة، وتغليب فئة على فئة، وتحريض فئة على أخرى، ذلك الأمر الذى يشكل بيئة تساعد على التوتر وتخلق حالات من الغضب المشحون برغبة في الانتقام والتشفى، وإذا كان خطاب التقاطع والصدام هو السائد لدى هؤلاء وما ذكرناه هو غيض من فيض، فكيف نسوغ الحديث عن الحوار والتفاهم وخطاب التقاطع والعداء يرى فيه البعض الخلاص من هموم عدو غضبه مستمر وعداؤه لحضارة الغرب لا تنتهى أبدا، وإذا كان الغرب قد خرج بجيوشه وعسكره، إلا أنه لا يزال مسيطرا بنفوذه ومؤسساته التى تخترق الحدود والحواجز، ولا تحترم خصوصيات الشعوب.
وهذا هو عذر الرافضين لفكرة التعامل مع الغرب، المحذرين منها، المتوجسين خيفة من آثارها، فالعلاقة بالغرب في نظر هؤلاء إثم كبير وشر مستطير، وإن كان فيها بعض جوانب الخير ومنافع للناس، وكل الوعود التى تحملها تلك العلاقة بالحداثة والرفاهية وإيجاد فرص جديدة للعمل وزيادة الإنتاج وجلب التكنولوجيا زعم قديم، سمعناه من قبل ولم يتحقق، لقد قال المستعمرون الأوائل كلاما مشابها عندما قدموا إلى بلادنا لأول مرة منذ قرنين تحت شعار التمدين ونقل الحضارة، وقاله خلفاؤهم في منتصف القرن الحالي تحت شعار التنمية الاقتصادية، ثم رددوه مرة أخرى في الثمانينيات من القرن العشرين تحت شعار إصلاح ما أفسده الماضي والتصحيح الهيكلي، ويقولونه الآن تحت شعارات شتى كالعولمة، والديموقراطية وحماية حقوق الإنسان، وإذا كانت الشعارات جديدة،إلا أن الظاهرة قديمة ومضمونها واحد وهي لم تخل في أي مرحلة من تاريخها من نفع ولكن النفع يعود أغلبه على مركز بثها وإشعاعها وأغلب أضرارها تعود على الأطراف، ومن بين هذه الأطراف بالطبع المنطقة العربية وبقية أقطار العالم الإسلامي.
فكأن الغرب في نظر هؤلاء هو الاستعمار، أو بتعبير مهذب هو آخر طبعة للرأسمالية المتسلطة التى تريد أن تسود وأن تهيمن وأن تسيطر. وأن تحول مصادر الثروة إلى إقطاعيات خاصة بالأغنياء وحدهم، وما على الأرض ومن على الأرض من الحيوانات والبشر إنما هم عبيد للسادة الكبار، وعلينا إذًا والحالة هذه أن نغلق النوافذ والأبواب وأن نترك الخير الذي عليه الشر يربو كما يقولون. تلك هي نظرة الخائفين المتوجسين المحذرين.
وإذًا فمن الضروري -في زعم هؤلاء- حماية الذات بإغلاق الأبواب والنوافذ وحراسة الثغور من وسائل التغريب والتغييب والتخريب ورفض النمط الغربي حتى في المأكل والملبس، ولسنا بدعًا في هذا، فالصين قد فعلت ذلك من قبل، وأغلقت أبوابها ونوافذها، وضربت حول نفسها سورا حديديا وتجلدت وصبرت وفجرت طاقات أبنائها وملكاتهم، ووظفت زيادة السكان توظيفا علميا حتى أصبحت القوة الثالثة في العالم، فهل يستغرب منا أو يستبعد علينا أن نحمي ذاتنا وأن نفعل مثلما فعل الآخرون؟
وهذه النظرة لديها الكثير من الحق في تصورها، ولكنها بالغت في حجم حساسية الاحتكاك بالغرب دون أن تضع اعتبارا في حساباتها لما أحدثته وسائل الإعلام ووسائل الاتصال من اختزال للمسافات المادية والأدبية بين الأمم والشعوب، حيث أضحى التأثير والتأثر سمة العصر الحديث، شاء الناس ذلك أم أبوا وأن العزلة لم تعد ممكنة في الظروف الحاضرة حتى لو أردناها، هذا من جهة:
من جهة ثانية فقد نسى هؤلاء أن في الغرب تيارا أخر يرفض المظالم ويكشف عناصر اليمين المتطرف ويرفض رؤيتهم ومنهم من يتصدى لهذا التيار وربما يدفع ثمنا باهظا لحريته في إبداء رأيه وكشفه للحقائق، وهذا التيار لا يجوز أن نخسره، وإنما علينا أن نتواصل معه وأن ندعم وجوده في الشارع الغربي قدر المستطاع وإلا فكيف تتغير الصورة ويعتدل الميزان؟
وإذا كان أعداء العدل والسلام والمشروع الإنساني قد نجحوا في اختراق مجتمعات الغرب وجندوا لقضاياهم من يدافع عنها ويحشد لها الأتباع والجنود في مختلف ميادين الحياة وبخاصة في مجلات السياسة والاقتصاد والإعلام، ومن ثم يستمر المعتدى في عدوانه ثم يجند من يبرر هذا العدوان ونحن تحت الإحساس بالغضب نترك تلك الميادين وننسحب ونخلى لهم الساحة؟ فهل يكون ذلك هو الحل الأمثل؟.
كما أننا يجب أن ندرك أن هذا الخطاب ذاته هو واحد من الوسائل والآليات التى تعتمد عليها جهات ومؤسسات تريد وتعمل دائما على أن تكون العلاقة ملتهبة ومتوترة بشكل مستمر بين الإسلام والغرب، ومن ثم فالاستجابة لخطاب التقاطع والخصام يصب في خانة الخدمة المجانية لهؤلاء الأبالسة الذين يؤججون نيران الصراع، كما أنه من الناحية العلمية مجافاة لحقيقة العدالة التى دعانا إليها الإسلام، وطالبنا بالاحتكام إليها حتى مع من نشعر أنهم ظالمون لنا، فلا يجوز أن يدفعنا الشعور بالظلم لمجافاة حقيقة العدل في الحكم كرد فعل لما فعلوه بنا، قال تعالى: (ياأيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة : 8).
ومن ثم فالحكم بعموم على أهل الغرب كلهم بأنهم أعداء، حكم يتسم بالتعميم، ويفتقد الموضوعية، ويخالف وصف الله لأهل الكتاب بأنهم (لَيْسُواْ سَوَاء) (آل عمران : 113).
ثم إنه يخالف الواقع الذي يشهد به الكثيرون ممن عاشوا في الغرب ويبالغ أيضا في التقليل من قدرة أبنائنا على االتأثير فى مجتمعات الغرب ويتجاهل كفاءتهم في التعرف على ثقافاته وسخافاته، ودورهم في تغيير الكثير من المواقف وتعديل وجهات النظر، وتمييز الغث من السمين واستخلاص ما يفيد مما لا يفيد.

الرافضون لفكرة الصراع في الشرق:
في قضايا الصراع بين الحق والباطل هنالك قوانين تحكم هذا الصراع وتتحكم في مسيرته ومصيره معا.
من هذه القوانين قدرة كل طرف على تجميع جهوده، وتنظيم نفسه، وضبط الحركة فيه بين الغايات والمقاصد المراد تحقيقها وبين الوسائل المتاحة، وكيفية توظيفها والاستفادة منها بأقصى درجة ممكنة.
ومن هذه القوانين أيضا توفر الدراسات والمعلومات الكافية عن الطرف الآخر من حيث تكوينه ودوافعه وبواعثه وخططه وبرامجه وأهدافه وطموحاته ووسائله لتحقيق هذه الأهداف وردود أفعاله في الأزمات والمواقف الحرجة، وهذه الخبرات كلها تساعد في كيفية التعامل مع الطرف الآخر وتمدنا بأفضل الأساليب في إدارة الأزمات بكفاءة واقتدار، وبخاصة عندما يفرض علينا الصراع وتواجه الأمة أنواعا شتى من التحديات على صعيد المستويات كلها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وأخلاقيا.
جماعية الجهد:
وأخطر هذه التحديات ما يتصل باختراق الهوية ويستهدف منظومة القيم، وإذا أردنا أن نطبق هذا الأمر في موضوع العلاقة بين الإسلام والغرب يظهر لنا أنه لا بد من وضع استراتيجية تحدد قواعد التعامل مع هذا الغرب، ثم لابد من الاستفادة من كل الخبرات العلمية التى لها دراية بالغرب في مكوناته ومقوماته وأسس حضارته، والمؤسسات العلمية يمكن أن تقوم بدور هام في هذا المجال بصرف النظر عن أحداث التاريخ التى ذاق الشرق فيها مرارة الظلم والعدوان، وبصرف النظر أيضا عن مشاعرنا تجاه هذا الغرب الذى نحبه أو نكرهه، نتعامل معه أو نتجنبه، وإذا كنا نعرف أن مراكز القرار هناك لها مؤسسات بحثية بعضها يُنَظّر لهم والبعض الآخر ينفذ أجندتهم، فإن هذا الأمر يتطلب منا على الجانب الآخر أن تكون لنا مؤسسات بحثية تقوم بواجبها في خدمة الوطن وتقدم لمراكز القرار عندنا من الأبحاث والدراسات ما يعينها على صحة القرار ويحميها من الوقوع في شرك الاستجابة لدواعى الصراع وحماية المصالح وتفويت الفرصة على تجارالحروب ومن يخدمونهم وينفذون أجندتهم.
وإذا كان الواقع يعلمنا أنه من الطبيعى أن يكون للغرب -كمؤسسات للقرار- أهدافه وأطماعه، وأجندته الخاصة، وله أيضا رؤيته للإسلام والمسلمين، غيرأن هذا الواقع لا يفرض علينا القبول بأجندة الغرب هذه بما فيها من أطماع وقهر ثقافي وسياسي واجتماعي، بل إن ذلك كله يدعونا إلى حشد كل الطاقات وتحفيز الإرادة لمواجهة تلك الأطماع والخروج من دائرة العجز والتخلف والتبعية، والعمل على الاعتماد على مواردنا العقلية والبشرية والاقتصادية وتوظيفها التوظيف اللائق الذي يحمينا من تبعات اختلال التوازن في العلاقات مع هؤلاء الذين يمثلون الغرب المستعمر والمستغل، صاحب مشروع السيطرة والتقسيم والعدوان على الآخرين، وهي تبعات خطيرة ومكلفة؛ لأنها عند اختلال التوازن تؤثر بالسلب على أخص خصائص الأمة وتسلبها أعلى وأغلى رأسمال لديها وهو الهوية العقدية والفكرية الأمر الذي يترتب عليه ضياع الطريق وغياب الهدف وفقدان الغاية.
ولما كان موضوع العلاقة بين الإسلام والغرب لا ينفصل بحال من الأحوال عن مشروع نهضة الأمة، حيث يرجع البعض كل أسباب التخلف بإجمال إلى ظاهرة الاستعمار التى مكثت ولا زالت في بلادنا، وأنها البؤرة التى تولدت منها جراثيم العجز الذى أصابنا وكان سببا مباشرا في شلل الإرادة وغيبة الوعى، ومن ثم صدرت كتابات كثيرة تعالج هذه القضية وتناولت تلك الكتابات أكثر من منظور وقدمت أكثرمن رؤية اختلفت في طرحها، لكنها اشتركت جميعها في محاولة استنهاض الهمة وتحفيز الإرادة وحشد الطاقات للخروج من عصر الأزمات وزمن الانكسار ومحاولة الإفاقة من الغيبوبة الحضارية التى تسيطرعلى الأمة الإسلامية وجعلتها في مؤخرة الصفوف، ومن ثم فقد بذلت جهود كبيرة في هذا المجال وساهم فيها من رجال الفكر عموما عدد كبير من المفكرين منهم المستشار طارق البشرى والدكتور محمد عمارة والمرحوم الشيخ محمد الغزالى والدكتور محمد سليم العوا والدكتور يوسف القرضاوى والدكتور سيد دسوقى حسن والمفكر السياسى الدكتور حامد ربيع وفريقه المكون من خيرة الباحثين في العلوم السياسية والاستراتيجيات وفي مقدمتهم الأستاذة الدكتورة منى أبو الفضل والأستاذة الدكتورة نادية مصطفى والأستاذ الدكتورسيف الدين عبد الفتاح والأستاذ الدكتور عبد الخبير عطا والدكتورة هبة رؤوف عزت والدكتور حسن وجيه والدكتور السيد عمر وغيرهم ممن هم الآن ملء السمع والبصر في الجامعات المصرية والعربية والإسلامية، حفظهم الله ويمكن الاستفادة بجهودهم بصورة جماعية، ولقد حاول الكثير من الباحثين وضع خطوط عريضة في هذا المجال، وإن كنا نؤمن أن الأمر أكبر من طاقة الأفراد والجهود الفردية، لكن على كل حال لابد من استثمار المتاح حتى لايضيع الممكن في طلب المستحيل، وممن ساهم في هذا الحقل الهام أيضا الأستاذ الدكتور ممدوح عبد الحميد فهمى وقد وضع تصورا حاول فيه التمييز بين نتاج الحضارة وطالب بالتعامل مع النافع المفيد وطرح ما لا يفيد مما لا يتوافق مع قيمنا الإسلامية، كما أن الرجل طالب بتفعيل منهج المقاومة فكرا وممارسة مع الظاهرة الاستعمارية؛ لأنه وفي نظره ليس هنالك إلا شكل واحد يجب أن يسود أمام تلك الظاهرة ألا وهو الرفض المطلق والمقاومة بكل الوسائل المتاحة، وسأضع بين يدى القارئ الكريم - وباختصار - مجموعة القواعد التي حددها الكاتب، للتعامل مع الغرب، ليكون بيانه هو المعبر عن فكرته.
القاعدة الأولى: التمييز بين التواصل الحضاري والصدام العسكري.. في عصرنا هذا للصدام العسكري شكل واحد هو غزو الدول الأوروبية لبلادنا واستعمارها , وآخر أشكال هذا الغزو العسكري هو احتلال اسرائيل لأرض فلسطين , والقواعد العسكرية أو الهيمنة البحرية والجوية من جانب أمريكا وروسيا على أجزاء متنوعة من بلادنا. ومع هذا الاستعمار العسكري توجد هيمنة سياسية واقتصادية.. كل هذه الأشكال من الاستعمار ليس هناك إلا شكل واحد للتفاعل معها.. الرفض والمقاومة والنضال.
القاعدة الثانية: هو نقد الحضارة الغربية - المسيحية نقدا يمكننا من التمييز بين ما هو غزو استعماري وسم هاري , وبين ما هو إسهام إنساني وغذاء بان. آن أوان التوازن والاعتدال , والتوقف عن الحركة المتطرفة بين نقيضين هما الإحساس بالدونية المنتج للانبهار بكل ما هو غربي متصورا أنه كله غذاء بان , والاحساس بالعنجهية المنتج للاحتقار الرافض لكل ما هو غربي متصورا أنه سم هاري , وهذا يعنى أننا ننتقد الغرب فينا , وننشغل بتفاعلنا معه, ولا نشغل أنفسنا بنقد الغرب في ذاته , ونحاول إنقاذه من نفسه. فتلك مهمة يقوم هو بها بكفاءة لن نطاوله فيها.
القاعدة الثالثة: أن ننقد ذاتنا ونعترف بمسئوليتنا عن أفعالنا كأمة , ونعترف بخطايانا السياسية وسيئاتنا الحضارية , ونواجه أنفسنا لنجاهدها، ذلك هو الجهاد الأكبر والأصعب. أما أن نركز فقط على الغرب وأفعاله بنا فذاك اعتراف أننا لم نعد غير كتلة مفعول بها. لا.. نحن نحتاج أن ننظر لأعماقنا في شجاعة لنعرف من أين أتت هذه الهزائم, هل نذكر قول الله تعالى ردا على تساؤل المسلمين عن هزيمتهم في غزوة أحد (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 165).
نحن نحتاج أن نتطهر من الإحساس بقلة القيمة. نحن نغتاظ من الغرب لأننا نراه مستخف بنا وبعظمة عقيدتنا وهو يفعل ذلك لأنه لم ير أنها غَيَّرتنَا وأصلحت من حالنا. المسألة ليست أن نقنع الغرب بأن لنا تراثا عظيما قادرا على إلهام مستقبل أعظم وإنما المسألة أن نقنع أنفسنا.. نعم أنفسنا.
إن المعركة الموازية لمقاومة الاستعمار الغربي هي مقاومة قابليتنا نحن للاستعمار والتبعية، المعركة أن نغير حقا ما بأنفسنا. لقد جاء علينا يوما كنا فيه ذوي حضارة ونعمة لما كنا بالله مؤمنين , نخافه وحده , ونطمع في رضاه وحده و ثم تغير ما بنفوسنا فتغير واقعنا الحضاري (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (الأنفال:53)
القاعدة الرابعة: إن نظرتنا المتوازنة للغرب ستنعكس في نظرة متوازنة لأنفسنا , الآخر هو مرآة لنفسي , فأن نسقط على الغرب كل شرورنا وعيوبنا, ونجعله شماعة تبرر كل نكساتنا هو تطرف ذات رفضت رؤية ظلامها وفجورها؛ ولذا فهى غير قادرة على امتلاك ذلك الظلام و إعلان مسؤليتها عنه , ذاك فريقنا الذي امتلأ بالكبروالتعالي والسخرية من الغرب.
وهناك فريقنا الآخر بتطرفه المضاد أسقط على الغرب كل خيراتنا وميزاتنا وإبداعنا وقوتنا, وجعله رمزا لكل أحلامنا في الخير والإبداع والقوة والحرية. فريق رفض أن يرى ذاته التى كرمها الله بالنور والتقوى واستخلفها في الأرض، ولذا يبعدنا عن الإيمان بأننا أيضا رجال قادرين أن نبني حضارة مبدعة خيرة عابدة لله، مصلحة لأرضه, ذاك فريقنا الذي سقط في الدونية, وقلة الثقة والاستضعاف للغرب.
أما آن أوان التوازن والقسط والاعتدال, أوان التصالح مع أنفسنا, التصالح بين فريقينا المتناحرين. أما آن أوان إدراك كل منا إنما هو يمسك بجزء فقط من الحقيقة.. وأنه يضل إن تصور أنه يملكها كلها وحده, إن الله يضىء قلبه وحده؟..
القاعدة الخامسة: أن نطرح عن أنفسنا التفريط والإفراط لنصل إلى الوسط الموزون في علاقتنا بالغرب , علاقتنا بأهم الأغيار: لا دونية مستضعفة ولا عنجهية مستكبرة وإنما تكافؤ وتساو. لا تشابه عالمي , ولا اغتراب محلي وإنما اختلاف إنساني لا غزو ودمج ولا انعزال وفصل، وإنما تفاعل وتبادل.
النموذج المرفوض هو نموذج الماضي القريب والحاضر في القرني التاسع عشر والعشرين.
ويسميه نموذج ضعف التكافؤ وميوعة الاختلاف.
والنموذج المستهدف لديه هو نموذج المستقبل القريب والبعيد في القرني الحادي والعشرين والثاني والعشرين، ويسميه أيضا نموذج قوة التكافؤ ووضوح التميز والاختلاف.
ويؤمن الكاتب في تصوره أن التأثير والتأثر والأخذ والعطاء هما القانون السائد في العلاقات الحضارية، فالغرب قد أخذ عنا وتأثر بنا وأعاد اكتشافه لذاته من خلال ثقافتنا، ونحن قد أخذنا عنه وتأثرنا به ونحاول إعادة اكتشاف أنفسنا من جديد بفضل الصدمة الحضارية التى أصابتنا ولا شئ يظهر فجأة وبلا مقدمات، وإنما هنالك تراكمات إن كانت إيجابية ونافعة فإنها ستؤدى في النهاية إلى صعود حضارى، وإن كانت سلبية وضارة فإنها ستؤدى في النهاية إلى سقوط مظلم وهكذا تتبادل الحضارت وتتبدل بين هبوط وصعود وارتفاع وانخفاض.
والخلاصة: أن هناك دراسات وباحثين يمكن الاستفادة من جهودهم أشرنا إلى بعضهم في تلك الدراسة وهناك أيضا آخرون لهم عطاؤهم العلمي الكبيرالذي يضيئ الأنفاق المظلمة في طريق العلاقة بين الشرق والغرب، الأمر الذي يجعل الإنسان بعمومه، والباحث المسلم، والسياسي المسلم والمحاورالمسلم يمشى في طريق الحواربخطوات مسددة ليتحقق التكافؤ في شمولية الإدراك وفهم الأبعاد وتوقى الحذر وتجنب عثرات الرؤية الجامدة، أو الوقوع في خطيئة التفريط في الثوابت والأصول.
الرافضون لفكرة الصراع والسيطرة في الغرب:
من الأمور التى تشجع على استمرار الحوار وتمنحه قوة دفع كبيرة أن المناخ الثقافي في الغرب بما فيه من مساحة ضخمة لحرية التعبير يتيح فرصة التغيير للعقلية الأوروبية، وهي عقلية لها اهتمام بالشأن العام ولها قدرة على التأثير فيه وتغيير المواقف؛ لأنها ببساطة شديدة تدافع بكل ما تملك عما تعتقد أنه حق وصواب، وهذا الأمر شجع كثيرا من الباحثين في الغرب على كتابة عدد كبير من الدراسات والأبحاث اعترضوا فيها على السياسة الاستعمارية وأدانوا عمليات التشويه المتعمدة للإسلام دينا وحضارة وتاريخا، ورفضوا أن تفرض على الدنيا ذاكرة مزورة، كما أدانوا استغلال المؤسسات الدولية في تحقيق أهداف الاستعمار، وكان من هؤلاء سياسيون وبرلمانيون وعلماء، وفي مقدمة من جاهروا بآرائهم ودفعوا ضريبة استقلال الضمير وحرية الكلمة في أستراليا السيد " أندرو ويلكى " وقد كان على رأس موقع حساس في جهاز المخابرات الاسترالية، وعندما استشعر الرجل أن بلاده تستدرج لحرب في العراق تحت دعوى أسلحة الدمار الشامل، رفع تقريره بأن كل الحقائق تؤكد أنه لا توجد أسلحة للدمار الشامل في العراق ومن ثم فلا داعي لتورطنا في هذا المأزق " ولما لم تستمع إليه القيادة السياسية في ذلك الوقت قدم الرجل استقالته، ولم يكتف بهذا وإنما ترشح في الانتخابات البرلمانية في دائرة رئيس الوزراء "جون هاورد" في ذلك الوقت، وكان يدرك أنه لن ينجح في الانتخابات لأنه لم يدخل العمل السياسى من قبل، حيث كانت وظيفته تقتضى ألا يكون معروفا للناس على عكس عادة السياسيين، إلا أنه أراد أن يسجل موقفا مشرفا للنزاهة يبرهن أن الجميع ليسوا في سلة واحدة، وأن قرار دخول الحرب ليس بإجماع، وأن الدوائر الخاصة جدا وذات الحساسية العالية، لا تخلو من عشاق العدالة وأصحاب الضمائر الحية الذين يجاهرون بآرائهم ضد اليمين المتطرف الذي يدق طبول الحروب ويبحث عن مبررات مزورة لما يفعله بالأبرياء، فأراد هذا الرجل أن يثبت أنهم ليسوا سواء وليسوا في سلة واحدة، وإن كانوا في مركب واحد هو الوطن، فإذا أضيف إلى هذا الموقف موقف الملايين ممن خرجوا في مظاهرات ضد هذه الحرب يتبين لنا قيمة الحرية في تلك المجتمعات، كما يتضح أن هنالك مساحة ضخمة في المجتمع الغربي وشرائح متعددة رافضة للظلم والصراع، وقابلة لتغيير وجهة نظرها إذا شرحت لها الحقائق، وهذه الفئة لا يجوز أن تترك ضحية لتوجهات اليمين المتطرف وأجندته الخاصة وأدواته وآلياته في تضليل الرأي العام، وفي مقدمة ذلك بعض المؤسسات الإعلامية التى تدين له برأس المال والولاء معا، ومن ثم يتحتم على الشرفاء في الشرق والغرب معا أن يتعاونوا في مجالات شتى ومنها الحوار لتوضيح الحقائق، وكشف الخداع ورفض الصراع، والعمل على التخلص من كل ما يؤدى إلي الصراع ويدعو إليه. وفي مقدمة ذلك المشاكل العالقة والمزمنة كقضية فلسطين التى تنكأ الجراح القديمة وتسبب نزيف الدم المستمر منذ عشرات السنين.
والمثقفون وشرائح النخبة هنا لهم دور كبير، وعليهم واجب خطير فهم يملكون الحقائق ويمكنهم الوصول بسهولة إلى الوثائق التى تكشف الكذب وتدحض فكرة الصراع الدموى الذى يكلف البشرية ثمنا باهظا من دماء أبنائها في الشرق والغرب معا.
ولقد كان لمجموعة من الكتاب والصحافيين المرموقين في الغرب قصب السبق في المبادرة بالجرأة والجسارة وكشف الزيف ونصرة الحقائق وأستأذن القارئ الكريم أن أعرض نماذج من كتابة هؤلاء المفكرين الأحرار بعدما ملت أسماعنا من دق طبول الحرب وهتافات الصراع التى خرجت من تلك الحناجر فملأت الدنيا ضجيجا وعكرت السماء بدخان حروب عبثية ولوثت الفطرة الإنسانية بشعور الكراهية وأصابت الوجدان العام بصدمة عدد الضحايا.
في هذا الجو المشحون بروح الشر والمعبأ بروح العنصرية والعداء ضد البشر برزت أقلام ونطقت بالحق ألسنة وامتلأت صحف حرة تنادى بالكف عن غرس بذور الشر في أرض الحياة، وضرورة توقف التدمير والقتل، ومحاسبة أبناء قابيل القاتل الأول.
ولقدكان في مقدمة من كتبوا في هذا المجال الصحفي البريطاني "روبرت فيسك" صاحب الثقافة الإنسانية المتسعة والملتزمة. وآراؤه تحمل من قوة الإقناع والموضوعية ما تجعله، ربما، الشاهد المروّع والمقلِق -كما كتبت "الصنداي تايمز"- على فشل السياسة في حماية البشر من أنفسهم.
ومن هؤلاء الكتاب عالم اللغويات المعروف نعوم تشومسكى وهو يهودي أمريكي وكذلك المفكر الفرنسى روجيه جارودى وغيرهم كثيرون.
جارودى
يقول جارودى في كتابه حفارو القبور: "أعطى الغرب الاستعماري، منذ خمس قرون -والعرض مستمر- مثال التطرف الأكثر فتكا، وهو الادعاء بامتلاك الثقافة الوحيدة الحقيقية، الدين العالمي الوحيد، نموذج التنمية الوحيد، مع نفي أو تدمير الثقافات الأخرى، الديانات الأخرى، النماذج الأخرى للتنمية"( ).
نعوم تشومسكى
أما عالم اللغويات المفكر المعروف تشومسكى وهو يهودي أمريكي
فقد وجه إليه سؤال: هل العرب بالتحديد أصوليون بالضرورة؟ أي عدو الغرب الجديد فأجاب قائلا: "بالطبع لا. فأول كل شئ لايوجد شخص يتمتع بأقل قدر من العقلانية يعرف العرب بأنهم أصوليون " ليس لدى الولايات المتحدة والغرب عموما أي اعتراض على الأصولية الدينية بالمعنى المعروف. فالولايات المتحدة في واقع الأمر واحدة من أشد الثقافات الأصولية الدينية المتطرفة في العالم ولا أعنى بذلك الدولة، وإنما أعنى الثقافة الشعبية والغرب عالمي تماما في اختيار الأعداء، فالمعايير هى الخضوع والإذعان للقوة وليس للدين، وهناك الأمثلة التوضيحية الأخرى" ( ).
يقول: "مصطلحات السياسة لها معنيان، أحدهما معناها المعجمي المتعارف عليه، والثانى معناها الذي يخدم استراتيجية الأقوى، ومن ثم فالحرب هى السلام، والحرية هى العبودية، والجهل هو القوة" ( ).
ثم يكتب بجرأته المعروفة قائلا:" نستطيع بسهولة أن نفهم أن سياسة الولايات المتحدة في العالم تعارض الديموقراطية إذا كانت نتائجها خارج نطاق سيطرتها، والمشكلة مع الديموقراطيات الحقيقية أنها عرضة للوقوع فريسة للهرطقة التى تزعم أن على الحكومات الاستجابة لمصالح شعوبها بدلا من مصالح المستثمرين الأمريكيين"( ).
ويذكر تشومسكى أن" المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن نشر دراسة عن نظام العلاقات الأمريكية الدولية،مؤداها أنه بينما تقدم الولايات المتحدة خدمة "لسانية" للديموقراطية فإن التزامها الحقيقي هو (للمشروعات الرأسمالية الخاصة). وعندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد، فعلى الديموقراطية أن ترحل، ولا بأس أن يحل محلها حكام التعذيب والقتل " ويدلل الكاتب على ذلك بما فعلته الولايات المتحدة في هاييتى ونيكاراجوا والإكوادور وغيرها من دول العالم."( ).
أما القرار السياسي فحدث عنه ولا حرج، فهو يعتمد شعارات يروج لها ويتبناها حين تصب في مجرى مصالحه، ويتحدثون عنها بحرارة ويدافعون عنها بكل الوسائل الممكنة ويستعملون كل وسائل الضغط في تطبيقها بداية بالعزل والمقاطعة واستعمال القوة، أما عندما تجري الرياح بما لا يشتهي أهل السياسة فستذهب كل هذه الشعارات ومنها الديموقراطية والإصلاح وغير ذلك إلى الجحيم، ومن ثم فكل حديث عن الحريات وحقوق الإنسان والديموقراطية إنما هو حديث لإلهاء الشعوب،فإذا تعارض مبدأ حقوق الإنسان مع المصالح أو جاءت الديموقراطية بما لا يوافق الهوى السياسي فلتذهب الديموقراطية وحقوق الإنسان إلى الجحيم،
وفضحا لسياسة الغرب في استغلال المؤسسات الدولية لتحقيق أهدافه على حساب دول الجنوب الفقير يقول وم تشومسكى "لم يعد الاحتـلال العسكري السافر ضروريا فقد برزت وسائل حديثة مثل صنـدوق النقـد الدولي والبنك الدولي. حيث يقرض البنك الدولي مقـابل فرض سياسـة "تحـرير الاقتصاد" وتحـرير الاقتصاد هنا - مصطلح ضمن المصطلحات التى تحمل عكس معناها - فالعبارة تعنى تهيئة الاقتصاد الوطنى لاختراق رأس المال الأجنبي وتحكمه فيه مع تخفيضات حادة في خدمات المجتمع، الأمر الذي يكرس تقسيم المجتمع إلى أقلية ثرية، وأكثرية تعانى الحرمان والفقر المدقع" ( ).
وكذلك تهيء الديون والفوضى الاقتصادية الساحة أمام شروط وقواعد صندوق النقد الدولي، وإذا حاولت قوى سياسية وطنية ذات شعبية التدخل، ففي هذه الحالة يتحرك الغرب كمراكز للقرار لدعم أتباعه الذين يتبنون سياساته بحجة استعادة الاستقرار.
ثم يذكر تشومسكى الموقف المتناقض والمتلاعب للولايات المتحدة بمفهوم الديموقراطية فيقول " الأمر اللافت للانتباه وجدير بالذكر في آن واحد أنه بينما يعتبر التمويل الخارجى للأحزاب السياسية الأمريكية عملا غير شرعى وغير قانونى، بل عمل يشوبه العار لكونه يقمع العملية الديموقراطية، فإن التدخل الأمريكى في العمليات الإنتخابية بالخارج - والمنتشر على الساحة العالمية بشكل ملحوظ يتم الثناء عليه وتصويره على كونه منحا كريما وسعيا للتقدم الديموقراطى، وكذلك الوضع بالنسبة لموضوع الإرهاب، فإنه يكون "وباء العصر الحديث" عندما يوجه إلى الولايات المتحدة أو إلى عملائها، بينما يكون عملا مقدسا عندما يصبح الضحية مكان الجانى ( ).
ونختم بوجهة نظر تشومسكى في وضع القادة الأمريكيين بقوله: " أعتقد أنه من وجهة النظر القانونية فإن هناك ما يكفى من الأدلة لاتهام كل الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية، بأنهم مجرمو حرب أو على الأقل متورطون بدرجة خطيرة في جرائم حرب" ( ).
روبرت فيسك
وحين نتحدث عن النماذج للنخب الثقافية الحرة والرافضة لمبادئ الاستعمار في السيطرة والصراع يتصدر روبرت فيسك-وهو أحد أبرز المراسلين الصحافيين في الشرق الاوسط والعالم- قائمة من نقلوا الأحداث والوقائع، في نزاهة فكرية وأخلاقية ومهنية راقية، وهو أيضا في مقدمة الصحافيين والكتاب الذين قدموا التحليل الحقيقي لأطماع الغرب السياسية والاقتصادية ورغبته المتجددة في التوسع والاستغلال والاحتلال وسعيه الدائم في خلخلة وحدة الشعوب وتفتيتها لتظل في حاجة دائمة لحمايته وتدخله، ويشرح في موضوعية خطط الغرب كمستعمر وكمراكز للقرار، وحين يكتب تحقيقاته وتقاريره كشاهد حقيقي على الحروب والمعارك التي تمتزج فيها الفوضى والرعب والقذارة لا يكتب كصحفي غربي يغطى أحداث حرب بلده طرف فيها ومن ثم يغطى على جرائم إنسانية ترتكب في حق المدنيين وضمنهم نساء وأطفال عزل، وإنما يتحدث ويكتب من موقع المشاهد الحر الذي يتحرى الحقائق ويرفض الظلم والقهر، يكتب من موقع الإنسان الذي يرى أن الكلمة المكتوبة والمرئية والمسموعة إن لم تكن نصيرا للمظلومين فلن تكون إلا سندا وعونا للظالمين؛ ولذلك فهو يحدث أبناء مهنته عن أثرحجب الحقائق والتعتيم على جرائم الحرب فيقول:" إن فشل الصحافة في إبراز الرعب الحقيقي للحروب قد أصبح بحد ذاته سلاحا قاتلا يسند الحكومات التي تنوي شن الحروب" ( ).
ويتهكم على سلاح الدمار الشامل غير الموجود في العراق فيقول: "لا توجد في العراق أسلحة للدمار الشامل وإنما الموجود هو رغبة الولايات المتحدة في تغيير خريطة الشرق الأوسط" وعبركتابه "الحرب العظمى من أجل الحضارة"وفي موقف أخلاقي ينبئ عن اقتدار الرجل وحرية ضميره يعلن رفضه لادعاءات الغرب وتناقضاته فكراً وممارسة. كما يصرخ معلنا احتجاجه وإدانته للحرب التى وصفها بأنها هي الفشل الكامل للروح الانسانية( ).
كما يحمل حملات الإعلام وهوليود مسؤولية الإساءة إلى العرب والمسلمين بما في ذلك التعذيب الذى حدث ويحدث في سجن أبو غريب ومعتقل جوانتنامو ففي صحيفة إندبندنت البريطانية في إطار تعليقه على قضية تعذيب السجناء في العراق يذكر أن هذه المعاملة غير الإنسانية للعرب والمسلمين هي نتاج للصورة الذهنية العنصرية والمسممة التي تنشرها الكتابات الصحفية ووسائل الإعلام وأفلام هوليود عنهم. ويقول فيسك: إذا ما رأينا أعداءنا غير آدميين, سنصبح بدورنا متوحشين."( ).
يان روس
في كتابه المعنون بعنوان " ما الذي سيبقى من الغرب؟ يتحدث يان روس عن الخلفية التى كان يكنها ويظهرها تونى بلير كلما تحدث، يقول المؤلف: "الخلفية العدائية كانت ظاهرة للعيان بقوة أكبر في كل كلمة كان يلقيها الشريك البريطاني توني بلير، وهو يطرح ما يجري، ليس تحت عنوان: "صراع الحضارات" بل تحت عنوان "الصراع من أجل الحضارة"، لينفي وجود حضارة سوى الحضارة الغربية، ولتدور "المعركة" في نظره بين كل من يأخذ بما يراه الغرب وبين كل من يرفض الأخذ به.
لكن هذه الصورة أمريكية محضة وليست "عالمية" كما أراد بلير طرحها، فحديث الأمريكيين عن الخشية من الإرهاب، يقابله حديث الأوروبيين عن الخشية من الهجرة، والغالبيةُ من البشرية ترى المشكلات الأكبر في الفقر والجوع والمرض والتخلف.
أما تلك المبالغة الضخمة في تحويل المعركة إلى "معركة عالمية ضد المسلمين المتطرفين" فلا تعدو أن تكون نظرة إقليمية (أمريكية) ضيقة عند التأمل فيها عبر المنظور التاريخي العالمي.
وقد حمل الطرح الغربي للأزمة عنوان: "عداء المسلمين المتطرفين"، والوضع الجديد تجاه الإسلام يختلف اختلافا جذريا عما كان تجاه الشيوعية في الحرب الباردة، وما نشره الغرب من قوات ما بين البلقان وأفغانستان لا يجد سوى الشك والعداء وحتى العمليات التفجيرية المضادة. وهذا وحده يكفي لانتشار الشك في الغرب نفسه حول حقيقة المهمة التي يقول بها عن نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.
عودة الإسلام أصبحت صحوة تاريخية قائمة على الاعتقاد بالنهوض من جديد كما هو الحال مع مناطق حضارية عقائدية أخرى.
"ولقرون عديدة هيمن الغرب عالميا، وكان عدوانيا توسعيا أنانيا، وكان تفكك دوله الاستعمارية أول انهيار في مسيرته هذه... أما الآن فبدأ تيار التطور التاريخي يتحرك في اتجاه معاكس" ( ).

أوري أڤنيري وبابا الفاتيكان
وردا على تصريحات بابا الفاتيكان الذى ادَّعى فيها أن البشرية لم ترث عن محمد إلا كل شر، وأنه فرض الإسلام بقوة السيف؟ كتب أورى أفنيرى مقالا طويلا تحت عنوان: "سيف محمد" ردا على تصريحات بابا الفاتيكان بنديكيت السادس عشر نذكر منه باختصارقوله:
"إن الأباطرة والبابوات قد عاشوا متسالمين في بعض الفترات. ونحن نشهد اليوم مثل هذه الفترة، حيث إن الانسجام القائم بين البابا بنديكيت السادس عشر وبين الإمبراطور الحالي جورج بوش الثاني مدهش حقًّا. فخطاب البابا،، الذي أثار عاصفةً عالمية، يتوافق تمامًا مع حملة بوش الصليبية ضد "الفاشية الإسلامية" في سياق "صِدام الحضارات". وبصفتي يهوديًّا ملحدًا، لا أنوي الانجرار إلى معمعة هذا السجال؛ إذ إن فهم منطق البابا يفوق بكثير قدراتي المتواضعة. لكنني لا أستطيع التغاضي عن فقرة وردتْ في خطابه، تخصني أنا الآخر، كإسرائيلي يعيش على مقربة من خندق "حرب الحضارات" هذه.
لإثبات ضعف الاحتكام إلى العقل في الإسلام، يجزم البابا أن النبي محمد أمر أنصاره بنشر دينهم بحدِّ السيف؛ وهذا، وفقًا للبابا، مُنافٍ للعقل؛ لأن الإيمان يولد من الروح، لا من الجسد. فكيف يمكن للسيف أن يؤثر على الروح؟
ولدعم مقولته، استشهد البابا -دون سائر الناس- بإمبراطور بيزنطيًّ (ينتمي، بطبيعة الحال، إلى الكنيسة الشرقية المنافسة لكنيسته نقل عنه قوله: "أرني بالضبط ما الجديد الذي أتى به محمد، ولن تجد فيه إلا ما هو شرير وغير إنساني، كأمره بنشر الدين الذي بُعِثَ به بحدِّ السيف.
يثير هذا المقبوس ثلاثة تساؤلات:
1. لماذا قال الإمبراطور ما قال؟.
2. ما مدى صحة ما قال؟
3. لماذا استشهد البابا الحالي بما قال؟
المقبوس بهذا المعنى، عن عمانوئيل يخدم مآربَ الإمبراطور الحالي جورج بوش الثاني، الذي يريد، هو الآخر، توحيد العالم المسيحي ضد "محور الشر"، المسلم في غالبيته. يُضاف إلى ذلك أن الأتراك يعاودون طرق أبواب أوروبا، وإنْ سلميًّا هذه المرة؛ ومن المعروف جيدًا أن البابا يؤيد القوى المعارضة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
فما مقدار الصحة في حجة عمانوئيل؟
البابا نفسه قد احتاط لرأيه بعبارة. فهو، بوصفه فقيهًا لاهوتيًّا رصينًا ومشهورًا، ما كان بوسعه الإقدام على تزوير نصوص مكتوبة؛ لذا اعترف بأن القرآن حرَّم صراحةً نشر الدين بالقوة، مستشهدًا بالآية 256 من سورة البقرة (عجبًا لعدم عصمته، كبابا، إذ قصد بها الآية 257) التي تقول: "لا إكراه في الدين"
كيف يمكن للمرء تجاهُلُ إعلان كهذا لا لبس فيه؟
قال المسيح: "من ثمارهم تعرفونهم". لذا يجب الحُكم على معاملة الإسلام للأديان الأخرى من خلال محكٍّ بسيط: كيف كان سلوك الحكام المسلمين إبان ما يزيد عن الألف عام، حين كانوا يمتلكون قوة "نشر الدين بالسيف"؟
أجل، هم في بساطة لم ينشروا الدين بالسيف.
لقد حكم المسلمون اليونان طوال عدة قرون. فهل صار اليونانيون مسلمين؟ هل حاول أحدٌ مجرد إرغامهم على اعتناق الإسلام؟ على العكس، لقد تبوأ اليونانيون المسيحيون أعلى المناصب في الإدارة العثمانية. كما عاش البلغار والصرب والرومان والمجر وشعوب أوروبية أخرى، في بعض الفترات، تحت حكم العثمانيين متمسكين بدينهم المسيحي. لم يرغمهم أحد على التحول إلى الدين الإسلامي، وبقوا جميعًا مسيحيين أتقياء.
صحيح أن الألبان تحولوا إلى الإسلام، وكذلك البوشناق؛ لكن ما من أحد يدَّعي أنهم فعلوا ذلك تحت الترهيب. لقد اعتنقوا الإسلام لنيل حظوة لدى السلطان وللتنعم بخيراته. وفي العام 1099، فتح الصليبيون القدس، وأعملوا في سكانها جَزْرًا وتنكيلاً، مسلمين ويهودًا على حدٍّ سواء، تحت راية المسيح الرقيق. آنذاك، وقد مضت 400 سنة على وجود المسلمين في فلسطين، كان المسيحيون هم الأغلبية في البلاد. فطوال تلك الفترة، لم يُبذَل أي جهد لفرض الإسلام دينًا عليهم. لكن فقط بعد أن تم طرد الصليبيين من البلاد أخذت أغلبية السكان تتبنى اللغة العربية وتعتنق الإسلام - وهؤلاء هم أسلاف معظم فلسطيني اليوم.
كذلك ليس هناك من دليل مطلقًا على أية محاولة لفرض الإسلام على اليهود. فكما هو معروف جيدًا، نَعِمَ يهودُ إسبانيا في ظل الحكم الإسلامي بفترة ازدهار لم ينعم بها قط غيرُهم من اليهود في أيِّ مكان آخر حتى وقتنا هذا تقريبًا. فقد نَظَمَ شعراء يهود من أمثال أبي الحسن اللاوي بالعربية، ناهيكم بموسى بن ميمون العظيم. وكان في الأندلس وزراء وشعراء وعلماء يهود. لقد اشتغل العلماء المسيحيون واليهود والمسلمون جنبًا إلى جنب في طليطلة المسلمة، مترجمين أمهات المصنفات الفلسفية والعلمية اليونانية القديمة. ذلك كان عصرًا ذهبيًّا بحق.
فهل كان لهذا أن يحدث لو أن النبي قد سَنَّ فعلاً "نشر الدين بالسيف"؟.
وما حدث بعد ذلك فهو أشد بلاغة. فحين استرد الكاثوليك إسبانيا من أيدي المسلمين، أسسوا عهدًا من الإرهاب الديني، إذ خُيِّر اليهود والمسلمون بين ثلاثة مصائر أهونها مرٌّ:
إما التنصر، وإما الذبح، وإما النزوح. فإلى أين فرَّ مئات آلاف اليهود ممَّن أبوا التخلي عن دينهم؟ لقد استُقبِلَ معظمُهم في البلدان الإسلامية بحفاوة، واستقر يهود السفرديم ("الإسبان") في أرجاء العالم الإسلامي كافة، من المغرب غربًا إلى العراق شرقًا، ومن بلغاريا (الواقعة آنذاك تحت الحكم العثماني) شمالاً إلى السودان جنوبًا. لم يُضطهَدوا في أيٍّ من هذه البلدان؛ لم يعانوا ما عاناه أبناءُ جلدتهم من تعذيب في محاكم التفتيش، ومحارق الزنادقة، والمجازر المدبَّرة، وعمليات التشريد الجماعي المروعة التي حصلت في معظم البلدان المسيحية، وصولاً إلى الهولوكوست.
لماذا؟ لأن الإسلام حرَّم صراحةً أي اضطهاد لـ "أهل الكتاب". ففي المجتمع الإسلامي، كان اليهود والمسيحيون يتمتعون بمنزلة خاصة ولا يمكن لأيِّ يهودي صادق، عارف بتاريخ شعبه، إلا أن يُكِنَّ امتنانًا عميقًا للإسلام الذي ظل حاميًا لليهود طوال خمسين جيلاً، في حين كان العالم المسيحي يضطهد اليهود، وقد حاول مرارًا "بحد السيف" إكراههم على التخلِّي عن دينهم.
ما يُشاع عن "نشر الدين بالسيف" أسطورة تُبطن شرًّا؛ إنها واحدة من الأساطير التي شاعت في أوروبا في أثناء الحروب الكبرى على المسلمين – استرداد المسيحيين إسبانيا، الحروب الصليبية، وصد الأتراك الذين كادوا أن يستولوا على فيينا. وإني لأحسب أن البابا الألماني، هو الآخر، يؤمن صراحةً بهذه الخرافات. وذلك يعني أن زعيم العالم الكاثوليكي -وهو فقيه لاهوتي مسيحي عن جدارة- لم يبذل جهدًا لدراسة تاريخ الأديان الأخرى.
لماذا فاه البابا بهذه العبارات على الملأ؟ ولماذا الآن؟
لا مفرَّ من النظر فيها على خلفية الحملة الصليبية الجديدة التي تجنَّد لها بوش ومؤيدوه من الإنجيليين، بشعاراته عن "الفاشية الإسلامية" و"الحرب العالمية على الإرهاب" – إذ أمسى مصطلح "إرهابي" مرادفًا للمسلم. هي، في نظر محرِّضي بوش، محاولة لا تتورع عن شيء لتسويغ السيطرة على منابع النفط في العالم. وهذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي تتقنَّع فيها المصالحُ الاقتصاديةُ السافرة بقناع ديني؛ ليست المرة الأولى التي تتلبَّس فيها غارةُ لصوص لبوسَ حملة صليبية.
خطاب البابا يندرج في هذا المسعى. لكن من ذا يستطيع التنبؤ بالعواقب المريعة؟ ( ).
ديفيد ميليباند
وتحت عنوان "مستقبلنا المشترك: بناء التحالفات وكسب التأييد" اعترف وزير الخارجية البريطانية " ديفيد ميليباند" في تصريح له حيث قال:
"أؤمن بأن لاحتجاجات المسلمين ضد الغرب ما يبررها؛ فهم يرون أنه (الغرب) يريد إبقاءهم في الحضيض، والأمر كذلك فعلا"، بحسب ما نشرته "بي بي سي" العربية نقلا عن الصحافة البريطانية.
وفي استرجاع لعدد من الوقائع التي ساهم بها الغرب في إبقاء المسلمين في "الحضيض" عاد الوزير البريطاني بذاكرته إلى فترة الحروب الصليبية، ثم سياسة بلاده الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين، مشددا بشكل خاص على دورها في تمكين اليهود من أرض فلسطين، ثم وقوفها بعد ذلك بـ55 عاما إلى جانب أمريكا في غزو العراق.
وعلق على هذه الوقائع بأنها "ولَّدت شعورا بالمرارة وعدم الثقة والنفور من بلادنا، وكانت سببا في كثير من الضيم الذي لحق بكثيرين في الشرق الأوسط وجنوب آسيا".
وإذا أردنا بناء علاقات وتحالفات أوسع فعلينا أن نُظهر احتراما أكبر للمسلمين". ورأى أن "الأمن في هذا العالم لم يعد يمكن أن تضمنه قوة عظمى وحيدة، ولا حتى اجتماع قوى عظمى مع بعضها.. إن التهديدات الناشئة عن التغييرات المناخية والإرهاب وانتشار الأوبئة والأزمات الاقتصادية واسعة جدا؛ ما يجعلها أكبر من طاقة دولة واحدة لمواجهتها بمعزل عن غيرها من الدول"( ).
ومن ثم فالعقلاء والشرفاء في الشرق والغرب معا يجب أن يقفوا صفا واحدا ضد فكرة الهيمنة والسيطرة والعنصرية وازدواجية المعايير والعنف والفاشية في الشرق أو في الغرب لا فرق؛ لأن هذه الآفات هي التى أفسدت البيئة ولوثت الحياة وجلبت للناس الشقاء والحروب وشتى أنواع الفساد.
أمام الفشل الكامل للروح الإنسانية على حد قول روبرت فيسك يتحول العالم في ظل سياسة مراكز القرار في الغرب إلى سادة لهم أن يأمروا؛ لأنهم يملكون المال والسلاح ووسائل الإنتاج والإعلام، وإلى عبيد عليهم فقط أن يسمعوا وأن يسرعوا في خدمة وتلبية أوامر السادة الكبار لأنهم لا يملكون حتى من أمر أنفسهم شيئا؛ ذلك لأن الغرب كمؤسسات للقرار يسعى إلى سلب الخصم لفرض إرادته وهويته وبالتالي نفيه من العالم، وإذا كان العالم الآن يعانى من إسهال وسيلان في الحديث عن الإرهاب دون تعريف لمعناه ودون تحديد لمضمونه، فإن أخطر أنواع هذا الوباء هو إرهاب الدولة، والأشد خطورة من ذلك هو محاولة الانتقال بالإرهاب من مستوى الأفراد لمستوى الأمم والحضارات وهو ما دعا إليه صموئيل هنتنجتون وتبنته الإدارة الأمريكية في عهد بوش وراحت بكل ما تملك تشيع مواقف معادية للإسلام بشكل خاص، وتحاول العمل على تدميره دينا وحضارة وتاريخا وبشرا.
بقي أن نذكِّر بأن الحضارات والنظم عندما تأخذ موقفا معاديا للدين ولا تثق بقوته وقدرته في خلق قيم الحب والتسامح والعدل والحرية، فإنها تقع في المحظور الأكبر وتدمر نفسها بنفسها دون الحاجة إلى إرهاب مستورد، ومن ثم فلا حاجة لأجهزة القمع والضبط والمراقبة؛ لأنها لن تستطيع فرض الالتزام الخارجي على وعي فقد في ذاته كل ضابط داخلي. وتلك هي النتيجة المنطقية لعقيدة الصراع والصدام والمواجهة والبحث عن الفريسة دائما.
كما أن الإحساس بالضعف وقلة الحيلة والوهن الحضارى لا يجوز أن يدفعنا هو الآخر لجلد الذات ويدعونا أن نسرف في الاعتذار عن ذنوب لم نرتكبها والاستغفار من خطايا لم نفعلها، بل كنا نحن العرب والمسلمين أول ضحاياها.
ولنتعلم أن الحياة مد وجزر، وانتصارات وهزائم، وأن الحضارات لها فترات انكماش وانكسار، والمهم أن يتعلم أصحابها كيفية النهوض من كبوتهم وأن يعاودوا سيرهم من جديد وأن يتعلموا من أخطاء الماضى والحاضر وأن ينفضوا عن أنفسهم روح التخلف والانهزامية، وليعلموا أنه من الخير للناس أن يعيشوا على الأرض وهم أخيار وأطهار من أن يطيروا ويسيطروا على الفضاء وهم لصوص أشرار، وأنه من الخير لأهل الأرض أن يعيشوا في أمان وسلام من أن تنتشر بينهم روح الكراهية والعداء، وأن كلمات الحرب والقتال هي أبغض الكلمات في اللغة والمشاعر والوجدان، فهل يمكن للبشرية أن تتخلص من أحقادها، وأن يعيش أبناؤها كما دعا المسيح في مظلة الإيمان على أرض الله وتحت سمائه وهم من فزع يومئذ آمنون؟
* * *

الفصل السادس
التأسيس لنظرية بديلة "تكامل الحضارت"
بدلا من صراع الحضارات
الآخر تحديدا وتشخيصا:
يقول أديب العربية مصطفى صادق الرافعى" إن تاريخ البشرية قد بدأ بآدم وتاريخ العقل والنور قد بدأ بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاشت الدنيا دهرها بين يومين ورجلين، يومها الأول ميلاد آدم، ويوم رشادها ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم، أحدهما وهو الأب الأول فتح لها طريق المجيئ من الجنة، والثانى وهو محمد رسول الله فتح لها طريق العودة إليها، كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان في محمد سر كمالها، والمقتدى به والمقتفي أثره يمشي في الحياة إلى الجنة بخطوات مسددة، لا تزيغ ولا تنحرف، مهما اشتدت حوله الخطوب مهما أحاطت به المحن، يبتلى في نفسه وماله فيصبر ولا يعرف فيه الذل والانكسار، بل تظهر فيه الإنسانية المنتصرة كما يظهر التاريخ الظافر في بطله العظيم أصيب في كل موضع من جسمه بجراح فهي جراح وتشويه وألم،ولكنها شهادة بالنصر"( ).
وبين الإبن والجد أجيال تجمعها وشائج الأخوة الصافية النقية التى عكر صفـوها قابيل حين بذر بذور الشر في أرض الحياة بالعدوان على أخيه الإنسان، ولقد طوى التاريخ بعضا من هذه الأجيال ملتاثة بدماء وظالم ومظلوم، وبقى البعض الآخر يسكن الأرض ويعمرها، لكن العبرة لم تتحقق والفساد لم يتوقف، وكان غياب الرشد سببا في الضياع والتشريد والعنف، غير أن رحمة الله بقيت تصاحب مسيرة الإنسانية بالهداية حتى اكتمل رشدها العقلى بمجئء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اكتمل نصاب الرحمة فيه لتكون لكل العالمين، فعادت موازين الحياة مرة أخرى إلى قوانين الاستقامة والاعتدال، فكان الإنسان موضوعها وكان هو المستهدف من كل تعاليمها،
قالت قوانين الرسالة: إن الحق فوق القوة.
وقالت قوانين الشريعة: إن العدل فوق الخصومة.
وقالت قوانين الإيمان في الرسالة والشريعة معا: إن إنسانية الإنسان فوق كل اعتبار.
فكان الإنسان كل الإنسان، مطلقا دون تقييد بلون أو جنس أو دم أو عرق فوق كل اعتبار.
فهو بنيان الله، شيده بالقدرة والإرادة والعلم، وأمده بالعقل والكرامة والحرية.
فأمانه واجب، وحرماته مصانة، وحقوقه فروض، ذلك هو الإنسان في التعبير المطلق والصورة الحرة في الرؤية الإسلامية.
وعندما نتحدث عن الآخر هنا فإنما نتحدث عن الإنسان، غير أن غبش الثقافات وتفاهة السخافات وميراث أحقاد السنين شوهت الصورة وأنتقصت منها قسمات الملاحة والجمال، فاحتاج الأمر تحديدا للصورة، وتشخيصا للإنسان، وتصحيحا للمعرفة، وتوضيحا للرؤية.
الآخر من هو؟ الآخر مصطلح يحتاج إلى مزيد من التحديد ليتشخص، هذا الآخر الذي نعترف به ونؤمن بوجوده، أو نقاومه ونحاصر شره ونضرب على يديه، من هو؟
ما سماته وعلاماته؟ وأين يعيش وماذا يفعل؟
أسئلة تحدد الإجابة عليها شخصية الآخر وترسم في التصور الصحيح صورة حقيقية، وليست مزورة أو مزيفة لذلك الآخر، بعيدا عن رتوش الصناعة الإعلامية وديكور التزويق،
وكباحث يحاول الغوص في عمق الحقيقة ويبحر بحثا عنها في دروب النصوص ومنحنيات التاريخ وسراديب الحضارة يتبين لى بعد بحث وفحص أن الآخر قسمان.
قسم يعيش في دائرة الخير وينأى عن الفساد، يبادل الآخرين حبا بحب وسلاما بسلام،فهذا هو الذي نجعل الاعتراف به ليس خيارا إنسانيا يفعله من يفعله ويتركه من يتركه، وإنما نرفع هذا الاعتراف ليصبح فريضة دينية كجزء من عقيدتنا وإن اختلف معنا في الإيمان بها، ونعتبر تأمين حقوقه وحماية حريته وكرامته جزءا من واجباتنا الدينية والأخلاقية؛ لأنه أخ لنا في الإنسانية، وشريك لنا في الأرض التى وضعها الله رب الأنان للأنام، ونحن صادران عن إرادة واحدة، وآيتان من آيات الله في الخلق والإبداع،ومن ثم فكلانا مسؤول عن أخيه، وعلى كل منا أن يرعى في كل مخلوق حق من خلقه،
وقسم آخر يفعل الشر ويشيع الفساد ويخرب البلاد والعباد، فهو في نظرنا امتداد للشر ووريث لقابيل القاتل الأول، وهذا هو الذي تجب مقاومته بموجب القوانين الدينية والشرعة الدولية والأخلاق الإنسانية حماية لأمن الأفراد والأمم والمجتمعات من شره وفساده، ومن ثم يجب أن نستعمل في مقاومته كل وسائل الحراك والضغط الفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي والقوة العسكرية إذا لزم الأمر، حتى يكف عن العدوان والشر، ويعود إلى نقطة التوازن المفقود والعدل الغائب، ومن ثم نقول: "إن مصطلح الآخر هنا يجب أن يحدد ليتشخص هذا الآخر بأوصافه، لا بناء على ماهيته وإنما بناء على ما يرتكبه من أعمال، فهناك الآخر الصديق والشريك، وهناك الآخر المعتدي والمتجاوز، والعدو الخطر الذي يثير الفتن وينمي الشرور والفساد ويعتدى على الحرمات حتى ولو كان مسلما،
ونؤكد هنا على أن هذا التقسيم ليس على الماهية عقيدة أو جنسا أو وطنا أي ليس على حقيقة عقيدته أو حقيقة وطنه أو حقيقة جنسه وإنما هو تقسيم بناء على الفعل والممارسات. وقد كان الإسلام رائعا وعظيما حين وضع هذا التوصيف قبل أربعة عشر قرنا من الزمان لا على الماهية كما قلنا وإنما على الأفعال والممارسات، وأوجب على المجتمع رد المعتدي حتى يفيء لعقله ويعود لرشده ومن ثم وجد في الفقه الإسلامي باب يسمى رد الصائل، والصائل هو الظالم المعتدى أى هو من يفعل الشر ويعتدى، ومن ثم فهو الآخر ولو كان مسلما، قال الله تعالى " (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الحجرات: 9).
وهنا ملاحظتان:
الأولى: أن كلمة الأخرى وصف أطلقه القرآن على الطائفة المعتدية ولو كانت مؤمنة، وذلك منحى جديد يطرحه الإسلام متجاوزا به كل حدود التعصب للحضارة أو العرق أو الجنس أو اللغة..
الثانية: أن كلمة قاتلوا هنا لا تعنى القتل، ففى الإسلام قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله، وهذا معنى عظيم؛ لأن المقاتلة هنا على وزن مفاعلة، فكأن هناك تجاوز وعدوان من جهة، وهناك مقاومة لرد هذا التجاوز ودفع العدوان من الجهة الأخرى، ومن ثم فالمقاتلة هنا لا تعنى قتل الخصم والقضاء عليه، وإنما هي نوع من الضغط والتدافع، بمعنى أن الفرد والمجتمع والأمة مطالبون جميعا بممارسة كل أساليب الضغط الثقافى والاجتماعي والاقتصادى والسياسي وحتى العسكرى إذا اقتضى الأمر ذلك لرد المعتدي المتجاوز بغرور القوة عن عدوانه وإعادة الرشد الغائب والصواب المفقود الذى دفعه لممارسة هذا التجاوز وذلك العدوان.
وهذا هو المعنى الذى أشار إليه رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في واحد من أرقى توجيهاته الاجتماعية " فعن جَابِرٍ، قَالَ اقْتَتَلَ غُلاَمَانِ غُلاَمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلاَمٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوِ الْمُهَاجِرُونَ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ‏.‏ وَنَادَى الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ ‏.‏ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ‏"‏ مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ‏"‏ ‏.‏ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ أَنَّ غُلاَمَيْنِ اقْتَتَلاَ فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ قَالَ ‏"‏ فَلاَ بَأْسَ وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ ‏"( ) ‏.‏
" ومن ثم فوسائل الكف عن الظلم كثيرة، يقصد منها إعادة الظالم إلى نقطة العدل دون إلغائه وإقصائه أومحوه من الوجود والقضاء عليه، كما يدعو أصحاب نظرية صراع الحضارات.
فالإسلام هنا كما يقول د. محمد عمارة "يرفض فلسفة الصراع، ويتبنى - بدلا منها - فلسفة "التدافع" الذي هو حراك سياسي وديني وفكري واجتماعي يصحح مواقف الظلم والجور والخلل، ليعيد علاقات الفرقاء المتمايزين والمختلفين إلى نقطة العدل والتوازن، دون أن يذهب - بالصراع إلى "صرع الآخر" وإلغائه، وأيضا دون أن يتبنى موقف السكون والسلبية الذي يدع العالم ومجتمعاته غابة يفترس الأقوياء فيها الضعفاء، فالإسلام رافض لمذهب الصراع وفلسفته ومنحاز إلى التدافع الحضاري؛ لأن التعددية والتمايز والاختلاف والتنوع - بنظر الإسلام سنة من سنن الله الكونية والتكوينية، في مختلف ميادين الوجود والحياة فالأحدية فقط هي للذات الإلهية، وما عدا ومن عدا الذات الإلهية قائم على سنة وفلسفة التعدد والتنوع والتمايز والاختلاف"( ).
الإسلام والآخر الديني والثقافي:
في نظر صموئيل هنتنجتون "أن المدى المتزايد لتمييز الشعوب في العالم لبعضها عن البعض الآخر يتم عبر خطوط ثقافية يوجب أن الصراعات بين الجماعات الثقافية تتزايد في أهميتها والحضارات هى الكيانات الثقافية الأكثر اتساعا، وبالتالى فالصراعات بين الجماعات من حضارات مختلفة تصبح مركزية بالنسبة للسياسة العالمية"( ).
فالرجل حسبما جاء في كتاباته يجعل حتمية الصراع في المستقبل تنشأ وتتربى لا في ظل الأيديولوجيا أو الاقتصاد، بل سيكون مصدره الهوية الحضارية أو الثقافية التى هي نتيجة للتطور التاريخي، واعتبر الإسلام هو العدو الأول بعد الحضارة الكونفوشيوسية أوالحضار الصينية، وقد حاول الرجل إقناع الدنيا بفكرته وتلقفته طبعا مؤسسات وبعض مراكز القرار في الغرب ممن يعنيهم دق طبول الحرب وإشعال نار الصراعات، فجعلت من الفكرة نظرية ومن النظرية حقيقة؛ لأنها وافقت بالطبع خططا كانت معدة من قبل وتنتظر الفرصة السانحة حتى تخرج إلى حيز التنفيذ،
ومن هنا زادت وتيرة الهجوم على الإسلام، وكثرت عمليات التشويه وإثارة الكراهية حتى قال صموئيل هنتنجتون نفسه عن المسلمين " ليس هناك إلا الأصوليون الأكثر تطرفا الذين يرفضون التحديث والغربنة، وينقل عن داييل بايبز حول المسلمين قائلا" إنهم يرمون بأجهزة التليفزيون في الأنهار، ويرفضون ساعات اليد وينبذون محركات الاحتراق الداخلي، إن عدم عملية برامجهم عرقلت إلى درجة عالية دعوة مثل هذه الجماعات " ( ).
فهل الأمر كما صوره صموئيل هنتنجتون ومن نقل عنهم؟
رؤية الرجل للعالم الإسلامى تجاوزت مجرد التشويه لتصل إلى حد الكذب الغبي الذي لا ينجح حتى في تسوية كذبته أو تسويقها ومن ثم فإن الإجابة على هذا التشويه تقتضى منا إعراضا عن رد تلك المفتريات الرخيصة؛ لأنها لا تساوى مجرد الحبر الذي يراق في ردها، فلا يقبلها ساذج فضلا عن الباحثين في علاقات الأمم والحضارات، وإنما نعمد إلى موقف الإسلام والمسلمين عبر مسيرتهم التاريخية والحضارية عندما كانوا في أوج قوتهم، ونبين موقفهم وموقف دينهم من الآخر الذي لا يري فيه السيد هنتنجنون إلا غريبا لا حق له في شئ،يبدأه بالصراع ثم ينتهى بإقصائه وصرعه ومحوه من دائرة الوجود.
على العكس تماما من ذلك الأمر كان موقف الإسلام من الآخر المختلف معه ثقافيا وعقائديا، فالآخر الدينى والثقافي قد عاش داخل المجتمع الإسلامى متمتعا بأعلى درجات الحرية في ممارسة عقائده، عاش موفور الحظوظ مصان الكرامة آمنا في دينه وماله وعرضه وكرامته، والمنظومة التشريعية لم تتعامل معه باعتباره أقلية قليلة -وبالمناسبة الإسلام لا يعرف مصطلح الأقليات ولا يعترف به وإنما يعرف التعدد والتنوع الثقافى والعرقى- وإنما رفعت من مستواه واعتبرته وكأنه دولة، تعقد معه اتفاقية دولية مرعية بأقصى وأعلى درجات القداسة في المجتمع الإسلامي، وهى منظومة أساس التشريعات فيها رعاية الحق وإقامة العدل في تحديد العلاقة بين أتباع الديانات الأخرى ممن يعيشون في مجتمع المسلمين، فالأحقاد الطائفية والحروب الدينية غريبة على البيئة المسلمة والإسلام في ميدان الحياة العامة حريص على احترام شخصية المخالف له، ومن ثم لم يفرض عليه عقيدته، أو يقهره على الخضوع لشرائعه، ولم يقم بمصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم أو المساس بأموالهم وأعراضهم ودمائهم، بل ترك أهل الأديان وما يدينون، لأن الاختلاف سنة من سنن الوجود قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) (هود118)، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (يوسف103)، (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) (يونس99)، ومن هنا نشأت القاعدة الإسلامية المحكمة المبرمة في حرية العقيدة والتى يمثلها قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة256).
على أن الإسلام لا يكتفي منا بهذ الموقف السلمي السلبي وهو عدم إكراه الناس على الدخول فيه، بل يتقدم بنا إلى الأمام فيرسم لنا خطوات إيجابية نكرم بها الإنسان في شخص غير المسلم، ولم تعرف الدنيا ولا التاريخ منذ وعت ذاكرته أدب التسامح وقواعد الأخلاق أسمى وأنبل من تلك الوصايا الذهبية التي يوصينا بها القرآن في معاملة الوثنيين الذين يعتنقون ديانة هي أبعد الديانات عن الإسلام، فضلا عن الديانات الأخرى التي تربطنا بها أواصر الوحي السماوي، فلنقرأ في سورة التوبة: "
(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ) (التوبة6 ).
فأنت تراه لا يكتفي منا بأن نجير هؤلاء المشركين ونؤويهم ونكفل لهم الأمن في جوارنا فحسب، ولا يكتفي منا بأن نرشدهم إلى الحق ونهديهم طريق الخير وكفى، بل يأمرنا بأن نكفل لهم كذلك الحماية والرعاية في انتقالهم حتى يصلوا إلى المكان الذي يأمنون فيه كل غائلة، ثم هو لا يكتفي بأن تكفل لغير المسلمين في بلاد الإسلام حرية عقائدهم، أو عوائدهم، وحماية أشخاصهم وأموالهم وأعراضهم، بل تمنحهم شريعتنا من الحرية والحماية، ومن العدل والرحمة قدر ما تمنحه للمسلمين من الحقوق العامة فيكون (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) وفق القاعدة المعروفة.
ولقد كانت ممارسات المسلمين في شتى عصورهم، تطبيقا حيا وعمليا يجسد حالة الالتزام في أرقى درجاتها رعاية وعناية، وأعلى تجلياتها كرما وتسامحا، فالله تعالى يأمر في دينه بالعدل والإحسان، ولا يجرد المسلم من العواطف سلبا وإيجابا (عواطف الحب أو الكره) حين يمارس هذا العدل، ولكنه يفرض عليه بذل أقصى الجهد في تحري العدالة المطلقة، فلا يجوز له أن يميل مع الهوى أو يحيف مع الشنآن، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء135)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة8)
يروي أبو داود والبيهقي في السنن قول الرسول ": (من ظلم معاهدا أو انتقصه حقا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة) ( ).
وفي مجال فردية التبعة وشخصية العقوبة وعدالة الجزاء ذكر أبو يوسف في الخراج أن عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران جاء فيه: (ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أموالهم وملتهم وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر)( ).
وقال صلى الله عليه وسلم : (من آذى ذميا فقد آذاني، ومن أذاني فقد أذى الله) ( ).
إذًا فدماؤهم وأموالهم وأعراضهم محمية بنصوص القرآن والسنة وحمايتهم جزء من عبادة المسلم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما)( ).
فالإسلام يفرض لهم (بموجب عقد الذمة حقوقا علينا طالما كانوا في جوارنا وفي حمايتنا وذمتنا وذمة الله تعالى وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام)، قال ابن عابدين: (لأنه بعقد الذمة وجب لهم ما لنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد)( ).
جاء في مطالب أولي النهى من كتب الحنابلة: (يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع من يؤذيهم، وفك أسرهم ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل كانوا بدارنا، ولو كانوا منفردين ببلد، فقد جرت عليهم أحكام الإسلام، وتأبد عقدهم فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين)( ).
وذكرالإمام القرافي، وهو من أئمة المالكية، في كتابه الفروق، نقلا عن الإمام ابن حزم الظاهري في كتابه مراتب الإجماع ما نصه: (أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة) ( ).
هذا كلام ابن حزم بينما علق عليه القرافي بقوله: (فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونا لمقتضاه عن الضياع لعظيم) ( ).
فهل عرفت الدنيا أو وعت ذاكرة التاريخ مثل هذا الأفق الرحيب في التسامح ورعاية الأقليات غير المسلمة في مجتمع المسلمين؟.
ولضيق المقام نشير هنا إلى موقف يذكره التاريخ بالجلال والفخر، ألا وهو موقف شيخ الإسلام ابن تيمية حينما سيطر التتار على الشام وذهب الإمام ليكلم قائد التتر (قطلوشاه) في إطلاق سراح الأسرى فسمح القائد للشيخ في إطلاق سراح الأسرى المسلمين وأبى أن يسمح له بإطلاق سراح أهل الذمة فقال الشيخ العالم: (لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسرى من اليهود والنصارى فهم أهل ذمتنا، ولاندع أسيرا لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة) فلما رأى إصراره وتشدده في أمر أهل الذمة من اليهود والنصارى أطلقهم له.
أرسل البطريق النسطوري يشوع باف الثالث إلى المطران سمعان رئيس أساقفة فارس رسالة جاء فيها: (إن العرب الذين منحهم الله سلطان الدنيا، يشاهدون ما أنتم عليه، وهم بينكم كما تعلمون ذلك حق العلم، ومع ذلك فهم لا يحاربون العقيدة المسيحية، بل على العكس، يعطفون على ديننا ويكرمون قسسنا وقديسي الرب ويجودون على الكنائس والأديار)
ويعلل سير توماس أرنولد سبب إسلام الجماعات المسيحية التي كانت تحت حكم الدولة البيزنطية بقوله: (إنها وجدت أنها تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة رأينا ذلك جليا في شهادة الدكتور فيليب حتى المؤرخ المسيحي المعاصر، والذي لم يدخر وسعا في شتم النبي محمد صلى الله عليه وسلم! ولم يكف يوما عن محاولة الغمز واللمز والنيل من رسول الإسلام! لكن فطرته غلبت عليه في لحظة سكون العقل المكابر فقال:(كان أهل الذمة في ظل الدولة الإسلامية يتمتعون بقدر كبير من التسامح الديني، وكانوا يخضعون حتى في الأمور المدنية، وكافة الإجراءات القانونية إلى رؤسائهم الدينيين) ( ).
وينقل أرنولد من كتاب ميخائيل الأكبر بطريق أنطاكية اليعقوبي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر بعد سرد اضطهادات الرومان المسيحيين لهم فيقول:
(أنه يرى أصبع الله في فتوح العرب وأن الله لما رأى شرور الروم الذين لجأوا إلى القوة، فنهبوا كنائسنا وسلبوا أديارنا في كافة ممتلكاتهم وأنزلوا بنا العقاب في غير رحمة ولا شفقة أرسل أبناء إسماعيل من بلاد الجنوب ليخلصنا على أيديهم من قبضة الروم... ولما أسلمت المدن للعرب خصص هؤلاء لكل طائفة الكنائس التي وجدت في حوزتها، ولم يكن كسبا هينا أن نتخلص من قسوة الروم وأذاهم وحنقهم وتحمسهم العنيف ضدنا، وأن نجد أنفسنا في أمن وسلام)( ).
وهكذ يتبين للباحث المنصف أن الإسلام يمثل سقف الحقائق الإلهية التى تضمنها وحي السماء للبشرية تنظيما و ترتيبا، وهو في الوقت ذاته يمثل الإطار العام والعنوان المطلق الذي بعث به أيضا كل المرسلين من لدن أبى الأنبياء آدم وحتى آخر الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الإسلام كمحتوى للحضارات:
ومن استقراء نصوص القرآن الكريم يتبين لنا أن للإسلام ثلاثة معان: معنى عام، ومعنى خاص، ومعنى أخص.
فالمعنى العام هو الإذعان والانقياد طوعا أو كرها قال تعالى:
(أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )(آل عمران: 83)
وقال سبحانه (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (فصلت:11)
فهذا خضوع بلا عقل ولا إرادة ولا اختيار، ويسميه العلماء خضوع العبودية، أي أنه خضوع بإرادة التكوين لا بإرادة التكليف فلا يشذ عنه في الكون شيء، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (يس:82 ). هذا هو المعنى الأول.
أما المعنى الثاني وهو المعنى الخاص: فهو الانقياد والطاعة له سبحانه اختيارا أي بالعقل والإرادة والاختيار، ويعبر عنه العلماء بخضوع العبادة عن طريق التكليف الشرعي الذي بلغه رسل الله إلى خلقه وإليه دعوا الناس كلهم، وقد علم أن الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك كما قال تعالى:
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء (المائدة: 44).
وقال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) (يونس:84 )، وقال الخليل لما قال له ربه أسلم قال: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (البقرة:131).
أما المعنى الأخص: فهو دين الله الخاتم الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بجميع تفاصيله التي تضمنها كتاب الله.
إذًا فالجميع يشتركون معا في أصل الشجرة إذا جاز التعبير، أي في المعنى العام للإسلام، وهو مطلق الخضوع والانقياد لله تعالى وإن اختلفوا بعد ذلك في الفروع والتفاصيل وهذا بُعد جديد في توسيع الدائرة الإيمانية ينفرد الإسلام به ويمتاز، ولقد شكل هذا البعد قفزة نوعية فتحت الأبواب والنوافذ لأفق أوسع وأرحب في عالم العلاقات الإنسانية،
قيم الوفاق والجمع:
الإسلام في لغة القرآن ليس اسما لدين خاص، وإنما هو اسم للدين الذي هتف به كل الأنبياء وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء. وهكذا نرى نوحا يقول لقومـه: (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:72).
وسليمان يقول لبلقيس (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (النمل:31 ) (فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) (النمل42). وبلقيس تجيبه بعد أن التقت به (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (النمل:44).
وجماعة من نصارى مصر يتلى عليهم القرآن فيقولون: (وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) (القصص53). ويعقوب يوصي أبنـاءه: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (البقرة: 132).
وأبناء يعقوب يجيبون أباهم: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة: 133).
وموسى يقول لقومه: يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) (يونس:84).
والحواريون يقولون لعيسى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران: 52 ).
لغة التصالح وتأليف القلوب:
وفي لغة تصالحية تجمع القلوب على الله يأمر الله نبيه: (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 84 ).
فهذه الآيات تؤكد مجموعة من الحقائق هي:
• وحدة المصدر الذي تلقى عنه أنبياء الله جميعا.
• وحدة الإرادة في الخلق والإيجاد.
• أن الإخلاص هومقصود تلك الإرادة من كل العقائد والتشريعات التي أمروا بها، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) (البينة:5).
• المساواة الكاملة أمام الله سبحانه.
• أن الأصل في العلاقات الدولية والإنسانية هو التعارف والتعاون على الخير، وليس الصراع والصدام وتلك هي الغاية من تنوع الأجناس والأعراق والشعوب.
إن التمايز والتفاضل ينبع من عمل الإنسان وقلبه ونفعه لعباد الله وليس من حجم القوة أو نوع الجنس أو أصل العرق، فبقدر مايقدم المرء من أعمال أخلاقية فاضلة تنفع الناس وترقى الحياة، بقدر ما تكون مكانته عند الله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (الحجرات: 13).
• أن أصول الأديان السماوية وثوابتها تلتقي مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف في مدلوله ومعناه الأخص باعتباره الدين الخاتم، فهو الوعاء والمحتوى لكل حقائق الوحي في الرسالات السابقة والتي تلقاها وبعث بها كل رسل الله السابقين لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وحدة الرسالات على مستوى التاريخ:
ومن هنا فإن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يطوي على مستوى التاريخ أبعاد الزمان، فيجمع الناس في عقد واحد ويرسي قواعد الأخوة بين أبناء البشر جميعا، ويطالب أتباعه والمؤمنين به بضرورة الإيمان بكل النبوات السابقة كشرط للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 136). (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (البقرة: 285).
على مستوى القيم الثابتة:
كما أنه على مستوى القيم الفاعلة والمؤثرة في دفع حركة المجتمع إلى الأمام والضابطة لسلوكيات الأفراد فيه، وهي قيم ثابتة لم يطرأ عليها تغيير أو تبديل، يعتبر شرع من سبقنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، يقـول تعالـى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ) (الشورى: 13)، وهنا تلتقي وتتعانق وتنسجم كل الانسجام ثوابت القيم في كل النبوات والرسالات السابقة مع منظومة ثوابت القيم في منهج الإسلام.
وإذا كان الإسلام قد نظرإلى العرب على أنهم عقل الإسلام ولسانه، إلا أنه قد رفض أن تكون الرسالة قاصرة على الجنس العربي وحده، ومن ثم رفض أيضا أن يكون الذكاء الإنساني قاصرا على جنس مخصوص، ورأى أن هناك عطاءً لكل جيل، وأن التراكمات الثقافية والفكرية ونمو الحركة وحرية العقل لها في التكوين الحضاري إسهام كبير، وتشارك فيها الأجيال والشعوب والأمم..
التجارب الإنسانية رصيد ملزم:
لذلك اعتمد الإسلام التجارب الإنسانية ضمن روافد التكوين الحضاري للأمم والشعوب، ونظر إليها كرصيد ملزم ومؤسس في بناء الحضارات، كما اعتبر الإضافة العلمية حقا لكل جيل، وهي تدخل ضمن الروافد المهمة التى لا يجوز أن يحرم منها المجتمع لأي سبب كان، وعلَّم أتباعه والمؤمنين به أن يبحثوا عن الحكمة حيثما كانت، وألا ينغلقوا على أنفسهم أو يتمركزوا حول ذواتهم فقط، وفبل ذلك وبعده اعترف برسالات السماء كإطار مرجعي لحماية قيم الحق والرشد في الأمم والشعوب، بالإضافة إلى قبوله لفكرة الإبداع الإنساني في إثراء الحضارات.
أساس العلاقات الإنسانية:
وتأسيسا على هذه القاعدة من الوعي بالتفاعلات المهمة في كل أقطار الأرض توجه خطاب الوحي المعصوم ليقيم العلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول على أساس من الكرامة وعزة الإنسان، وهي علاقات تتفاعل مع الآخرين أخذًا وعطاءً، وتأثيرًا وتأثرًا، تدعم جوانب الخير وتقيم العدالة، وتنضبط بضوابط الأخلاق لا بضوابط المصلحة المادية.
وعلى ضوء هذه الحقائق فثمة عوامل جوهـرية تحدد من البداية مسار الحوار وميادينه
وهذه العوامل نجملها فيما يلى:
1. أن الوصول إلى الحقيقة يجب أن يكون هدفا وغاية للمتحاورين بصرف النظرعن الوسائل التى تؤدى إليها.
2. يجب أن يلتزم المتحاورون بضوابط الحوار وآدابه.
3. ألا يكون في الحوار مناطق مغلقة يصر طرف في الحوار ألا تخضع للبحث والمناقشة وألا يقترب المتحاورون منها.
عند اختلاف الأطراف وعدم وصولهم إلى أرضية مشتركة في نقطة ما يجب أن يكون هنالك معيار ومرجعة يرتضيها الطرفان ويحتكمان إليها، وأن ما اتفق عليه من التراث الدينى والأخلاقى بين أطراف الحوار يمكن أن يرد إليه ما اختلف فيه باعتبار أن ما اتفق عليه يكون أساسا لهذه المرجعية.

آليات للتواصل الحضاري بين الشرق والغرب:
بعد أن تحدثنا عن الغرب بفئاته المختلفة عامة ومثقفين ومراكز للقرار، وتبين لنا أنه لا مشكلة بيننا وبين الغرب عامة ومثقفين، وأن الحساسية لدينا هي فقط تجاه الغرب كمشروع للسيطرة والاستعمار، بعد أن تحدثنا عن كل ذلك، كان لابد من البحث عن آليات للتواصل، ووسائل يمكن أن يلتقي عليها الشرق والغرب معا، ويمكن العمل من خلالها على خلق ذهنية في الشرق والغرب معًا تجعل الحوار هو الخيار الأفضل بدلا من المواجهة والصدام، وتخلق آليات على المستوي الثقافي الفكري والنظري، وعلى المستوى العملي والتطبيقي، ويتشكل منها أساسا لصياغة نظرية نخاطب بها الرأي العام وتُطرح في مواجهة نظرية صراع الحضارات ويمكن أن نسميها مثلا بنظرية "تكامل الحضارات".
ركائز نظرية تكامل الحضارات:
نظرية "تكامل الحضارات يمكن أن تُطرح كما أشرنا من قبل كبديل يلتقى عليه كل من الشرق والغرب على أن تتبناها الأطراف المعنية بهذا الأمر في الشرق والغرب معا وأن يتعاون الجميع على نشرها وتسويقها والعمل على انتشارها بين شعوب الشرق والغرب بحسبانها أساسا للتعايش والتعاون بعدما أضحى المشروع الإنسانى برمته في خطر شديد، ومن ثم فلا بد من بذل جهود فكرية ضخمة لضمان استمرار الحوار وضمان جدواه بدلا من الصراع والصدام وإشعال الحروب. وإلا فإن الأديان كلها والمثل العليا معها وحتى عالم الأخلاق والقيم تكون قد فشلت في حماية الإنسان باعتباره بنيان الله الذى شيده في هذا الكون، وعمر به الوجود ورفعه إلى مقام السيادة الكونية " (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (الإسراء:70 ).
وأحسب أن الظروف مواتية الآن لفعل شئ ينـزع فتيل الصراع ويساهم في حماية هذا الإنسان وتكريمه كما أراد الله، وبخاصة بعدما حدث تقارب في المواقف، فالنغمة في الغرب قد تغيرت كثيرا بعد مجئ الرئيس أوباما، وزيارته للقاهرة وخطابه العقلانى من هناك، ثم هناك تقارب آخر على مستوى قمة المكان والمكانة بين الأزهر والفاتيكان، صحيح أن نتائج الحوار لم تكن على المستوى المأمول، لكنها خطوة في الطريق الصحيح، أعقبتها رابطة خريجى جامعة الأزهر بخطوة أخرى في مبادرة جريئة حين جعلت عنوان مؤتمرها الرابع والذي عقد في القاهرة بتاريخ 27 -30 يونيو 2009 "الأزهر والغرب آفاق الحوار وضوابطه" وقد ضم المؤتمر نخبة من المفكرين في الشرق والغرب وعرضت فيه أبحاث قيمة تناولت طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب توصيفا وتعليلا وتحليلا،فكان هذا الملتقى المهم إضافة أخرى ورافدا من روافد تغذية التفاهم والحوار بين الشرق والغرب، ومن ثم فقد أصبحت الطريق ممهدة لمشروعات جادة تساعد على إزالة اللبس وتوضيح الصورة وتقارب وجهات النظر، فإذا أضيف إلى ذلك أن التيار الأقوى والأكثر عددا وتأثيرا في الشرق يرفض فكرة الصراع من أساسها وقد بدأ يعلو صوته ويكثر نشاطه وتثمر جهوده، يقابله تيار آخر في الغرب يلتقى على نفس الفكرة ويدرك خطورة تأجيج نيران العداوة والصدام ويكشف ويتصدى ويفضح بجهود علمية جادة محاولات اليمين المتطرف ويحذر من خطورتها، إذا اخذنا هذا في الاعتبار فذلك معناه أن نواة للسلام العادل بدأت في التشكل ومن ثم فيجب أن نربط بين جذورها هنا وهناك، وأن نعمل معا من أجل تنسيق المواقف وتبادل الخبرات حول الذات والآخر، ويمكن للمفكرين من الجانبين أن يتفقوا على بروتوكول ترسم على أساسه الخريطة الذهنية التى تجعل من التفاهم وسيلة فعالة في حل المنازعات الدولية، كما تجعل الحوار هو الخيار الأفضل، ويمكننا هنا أن نساهم بجهد متواضع في تحديد الملامح والقسمات العامة لتلك الخريطة الذهنية التى تساعد على تنمية الأفكار الحرة وتستبدل من الثقافة والفكر تلك التصورات الخاطئة من كل طرف عن الطرف الآخر، وفي ظنى أن ملامح تلك الخريطة الذهنية يمكن أن تنطلق من منطلقات أراها أساسية وتمثل قواسم مشتركة بين بنى الإنسان عموما، ومن ثم يجب التأكيد عليها كأساس للحوار الجاد ومن ثم فلا بد من بذل جهود فكرية ضخمة لترسيم مرجعيات أخلاقية وإنسانية يلوذ بها الإنسان ويستجير عند تجاوز الحدود والتعدى على الضمانات التى أقرتها تلك المرجعيات الحرة، والتى يناط بها مسؤولية رد المعتدى إلى نقطة العدل الغائب والرشد المفقود ويمكننا أن نساهم في تحديد المحاور الثقافية والفكرية لنظرية تكامل الحضارات ونجملها فيما يلى:

1. وحدة النشأة الإنسانية:
وهذا المحور يشكل القاسم المشترك الأعظم للإنسانية في أساس نشأتها وتكوينها بين كل مجتمعات العالم، ويؤكد روح الأخوة التى تجمعهم، ومن ثم فلابد للمعنيين بالعمل من أجل السلام العالمي في الشرق والغرب معا من الاعتماد على هذا المحور وتفعيل دوره وإشاعة ثقافته التى هى ثقافة الإخوة الإنسانية، وهى ثقافة أسبق في وجودها من قوانين المساواة التى طرحتها وتطرحها المنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة والعمل على هذا المحور الإنساني والذي يؤكد على أن البشر جميعا يشتركون في أصل الشجرة الإنسانية إذا جاز التعبير، أي في المعنى العام للإنسان بغير تحديد اللون أو الجنس أو الدين.
والعمل على هذا المحور الإنساني سيؤدى بالناس في الشرق والغرب إلى تجنب سوء الفهم وسوء الظن وسيفضى بهم إلى حقيقة هامة مفادها أنه من المعروف لدى علماء البيولوجيا أن الطبيعة الاجتماعية والبيولوجية للإنسان تشكل جهازا غاية في الوحدة، ومن ثم فلا فرق بين إنسان وإنسان، بصرف النظر عن البيئة التى نشأ فيها، في الشرق أو الغرب في الشمال أو الجنوب، وهذا المعنى هو ما أشار إليه كتاب الإسلام العظيم وهو القرآن الكريم حين قال:" (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13).
وإذا كان الأمر كذلك فمن المهم أن يحدث هذا التقارب على مستوى الأفكار في الإنسان ذاته، وأخطر ما يهدد الإنسان أو الجماعة ويعزلها هو الشعور بالاكتفاء الذاتي فكريا وعدم الرغبة في قراءة الآخر والتعرف عليه، وهو شعور خطير ومكلف، قد يؤدي للتقوقع على الذات، أو للصدام مع الآخر والخروج عليه، ما دام سوء الفهم وسوء الظن هو سيد الموقف، ولابد أن نعترف آسفين أن الإعلام قد ساهم ولا زال يساهم بنصيب ضخم في حدوث هاتين الآفتين سوء الفهم وسوء الظن، وتلاشيا لحدوث هاتين الآفتين (سوء الفهم وسوء الظن) لابد من الانفتاح على الآخر والاقتراب منه ومعرفة مكوناته ومقوماته ودوافعه وبواعثه، وألا تترك تلك القضايا الكبرى لبعض الإعلاميين ليشعل فتنتها بالتحريض وإثارة الكراهية ضد المسلمين منذ الصباح الباكر وحتى ساعة متأخرة من الليل في كل يوم ليساهم بذلك في إحداث ما يسمى بـ "الإسلام فوبيا" وتلك هي الحالة التى تستغلها مراكز القرار ومعها الآلة الإعلامية في الحديث بحرارة عن حمى الصراع والصدام الذي يتبناه البعض لمصالح خاصة انطلاقا من استراتيجية اليمين المسيطرعلى بعض مراكز القرارهناك،ومن ثم فلابد لمؤسسات المجتمع المدني ومعها المجامع العلمية بما فيها من كتاب ومثقفين وأكاديميين في الشرق والغرب معا من العمل على أن يقترب كل أفراد المجتمع من بعضهم، وسيكتشف الجميع في الشرق والغرب أن أول خطوة نحو صياغة فلسفة لحياة أكثر تفاهما وتسامحا يجب أن تكون في إعادة اكتشاف كل منا للآخر، كما أن عملية تبادل المعلومات والخبرات حول الذات والآخر تعنى لا محالة تبدلا مستمرا في أفكار الإثنين معا، وعندما يكتشف كل منا أخاه سنكتشف جميعا كم هي واسعة وشاسعة ورائعة حجم الشراكة الحياتية بين الإنسان والإنسان، وكم يمكن أن تكون تلك الشراكة متناسقة ومتوافقة ومنسجمة وبعيدة عن الميل المندفع نحو الإخضاع والسيطرة برغم تنوع واختلاف الثقافات والديانات والأجناس.
2. التأكيد على الوحدة في الغاية والمقصد والإلهام بين الأديان السماوية الثلاثة
وهذا المنطلق يعمل على إيجاد بُعْدٍٍِ جديد في توسيع الدائرة الإيمانية، بحيث يشكل قفزة نوعية تفتح الأبواب والنوافذ لأفق أوسع وأرحب في عالم العلاقات الإنسانية.وعندما تكون الأديان السماوية الثلاثة هي المظلة التى تتشكل ثقافة الإنسان من منابعها فإنه يكون من السهل حينئذ أن تتفاعل الأجيال القادمة؛ لأن دوافع وبواعث هذا التفاعل ستتشكل من منابع تتمتع بوحدة المصدر، بالإضافة إلى أن الإلهام فيها متقارب جدا إن لم يكن متحدا في غاياته ومقاصده، ومن ثم فالقيم العالمية التى تسعى لتحقيقها كل المجتمعات الحرة، كالعدل والحرية والكرامة الإنسانية وغيرها من منظومة القيم الثابتة في الضمير الحر هي أيضا قيم ليست غريبة على الإسلام وليست بعيدة عنه، بل هي في الرؤية الإسلامية ليست مجرد قيم تخضع للخيار الإنساني يفعلها من يشاء أو يتركها، إنما تصنف هذه القيم في رؤية الإسلام كواجبات ملزمة ومسؤولية يتربى عليها الأجيال منذ الصغر لتتحول بعد ذلك إلى جزء من النسيج العقلي والفكري الذي ينعكس على السلوك والممارسة في حياتهم طواعية واختيارا.
3. التأكيد على إنسانية الثقافة الإسلامية وما تحمله من قيم العدالة والتسامح وتقدير المواهب.
ومن المهم أن نفهم نحن في الشرق والغرب معا أن الثقافة الإسلامية لا تتناقض ولا تتصادم مع الثقافات الأخرى كما يشيع الإعلام في الغرب، بل إن التاريخ يثبت أنها احتوت وتضمنت واحتضنت الثقافتين اليهودية والمسيحية، وقد نبغ في ظل تلك الثقافة عباقرة من شتى البلاد والأجناس قدمتهم الحضارة الإسلامية للعالم وعرَّفت بهم وترجمت أعمالهم حتى بعد أن مات بعضهم وكاد تراثه الفلسفي والعلمي أن يضيع في ذاكرة النسيان، فلما جاءت الثقافة الإسلامية بما تحمله من تسامح وتقدير للمواهب قدمت هؤلاء للعالم وكان في مقدمتهم سقراط وأرسطو برغم اختلاف الجنس واللغة والدين، ومن ثم فالمكون المعرفي في الحضارة الإسلامية حريص في ميدان الحياة العامة على تكريم الإنسان في شخص غير المسلم، واحترام شخصية المخالف له، ورعايته حتى ولو كان مشركا وليس من أهل الكتاب.
4. التأكيد على دور التدين في الضبط الإرادي.
علماء النفس والاجتماع يقسمون الضبط إلى نوعين أساسين:
النوع الأول: هو الضبط القهرى وهو ضبط يظل يعمل ما دامت يد القانون تقبض على أعناق الناس، فإذا تفلت القانون أو استطاع الإنسان أن يلتف عليه بالحيل الخادعة فإن عملية الضبط القهرى تسقط مباشرة ويتحول الإنسان الذي كان مستأنسا في ظل القانون إلى وحش له أنياب ومخالب، ومن هنا فشلت القوانين الوضعية في خلق رقابة ذاتية تنبع من الشعور الداخلى للإنسان ذاته.
أما النوع الثانى فهو الضبط الإرادي، وهذا الضبط تتجلى مظاهره في أنه ينبع من شعور داخلى يذكر الإنسان دائما بأن هناك من يراه وإن اختبأ عن عيون الدنيا، وأن هذا الذي يؤمن بوجوده وحضوره في حياته العامة والخاصة لا يراه فقط، وإنما يعلم سره ونجواه، ومن ثم فلن تستطيع قوة في أي مكان في الأرض أن تفرض عليه سلوكا مخالفا لما يؤمن به مهما كانت وسائل الإغراء.
ولأنه من المعروف أن أقوى أنواع الضبط للسلوك الإنساني هو الضبط الإرادي، وهذا الضبط لا يمكن أن ينتج إلا من الأخلاق التى ترتبط بقيم يدعمها الإيمان الجامع بها، وهي أخلاق لا تتبدل حسب الطلب وإنما تبقى ثابتة؛ لأنها هي التى تحفظ للجماعة الحد الأدنى من التوازن، كما أنها تمد المجتمع بالقواعد التى تضبط سلوك الناس وتوجه ممارساتهم ومن المقرر لدى علماء النفس والتربية أن القيمة عندما تستمد قداستها من العمق الديني فإن حرية ممارستها تنبعث من أقوى المشاعر تأثيرا في حياة الإنسان، الأمر الذي يجعل من حرية الفرد وسيادته مصدرا لحرية الأمة وسيادتها، كما يجعل سيادة الأمة وحريتها ضمانة لحرية الفرد وسيادته، وبذلك تكون هذه الحرية -لا نقيضها- هي النبع للشعور بالالتزام الأخلاقي أي بالواجب تجاه الجماعة والأمة والتضحية في سبيلها.
وإذا كانت الممارسات الدينية تقوم بمجموعة من الوظائف الحساسة وفي مقدمتها أنها تمنح الناس مبررا مقبولا لحياتهم، وتخفف عنهم ضغط ديناميات التفتت وتحطيم البنية الفردية والاجتماعية وتركز في الوعي العام ضرورة الحفاظ على مفهوم الأسرة وحمايته من محاولات تغيير عناصر تكوينها وضياع هدفها العام، بجانب أنها الرحم الذي يحمل الأخلاق النبيلة ولا تتولد عوامل الضبط الإرادي والمراقبة والالتزام إلا منه، فضلا عن دورها الحيوي في امتصاص صدمات الفشل في ميدان الحياة ومقاومته من خلال التكافل النفسي والاجتماعي ومن ثم فإن تدعيم الشعور الديني يصبح ضرورة أساسية لتدعيم الشعور الأخلاقي وتقوية الشعور بالواجب والالتزام بقضايا الجماعة والتضحية في سبيلها، ولقد استطاعت دول كثيرة أسيوية وغربية أن تحقق حرية المجتمع وأن تطور نظمه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية بما يتلاءم مع العصر، وأن تتكيف مع الحقيقة الروحية وتتفاهم معها وأحيانا تستند إليها دون أن تضطر إلى مصادرة الدين وإعلان الحرب عليه.
فإذا كانت الممارسات الدينية لها كل هذا الدور الفعال فإن الحرية الدينية إذًا تصبح ضرورة اجتماعية ونفسية وتربوية وأمنية أيضا، لأنها تشكل حينئذ أعلى وأغلى رأسمال معنوي تعيش عليه الجماعات وتحفظ به توازنها، هذا بالإضافة إلى أن ثقافة التكامل الحضاري والحوار البناء ستحيل أمن المجتمعات والدول من خلال الضبط الإرادى إلى ضرورة دعوية لأهل الأديان جميعا ومن ينتسبون إليهم من عامة الناس وخاصتهم، ومن ثم تبتعد عن الذاكرة الاجتماعية في الشرق والغرب معا فكرة الصراع بجملتها وتفاصيلها سواء كانت دينية أو مذهبية أو حضارية أو حتى عرقية، وهذا الأمر يزيل التناقض الحاد حول مبدأ الولاء والبراء في بعض الأذهان، ولا يساعد فقط على عملية التاغم والانسجام بين العناصر المختلفة في تكوين المجتمع، وإنما يجعل من الحرية الدينية هي الضمانة لتحقيق المواطنة، وبذلك تبطل حجج إخواننا العلمانيين الذين يلعبون على فكرة الاختلاف المذهبى أو العرقي أو الدينى وينصبون من أنفسهم حماة لحقوق المواطنة وحرية الاعتقاد في تلك المجالات، ثم يشككون في الولاء الوطنى للملتزمين دينيا باعتبار أن قاعدة الولاء والبراء هي الحاكمة في التعامل مع الغير وبخاصة عندما يكون هذا الغير ليس مسلما.
وبناء على ذلك وجب التأكيد على أن الحرية الدينية هي الضمانة لتحقيق المواطنة الكاملة التى تدفع بالسكان نحو الولاء للدولة برغم اختلاف الدين والمذهب، وأن النبي عليه الصلاة والسلام في وثيقة المدينة قد أسس لحقوق المواطنة وعلى أعلى مستويات التقدير للآخر، ولم يمنع اختلاف الدين من حق المواطنة وواجب الولاء الوطنى.
الجانب العملي في نظرية تكامل الحضارات:
في المحور السابق تحدثنا عن وسائل الالتقاء وآليات التواصل، وقسمنا تلك الوسائل والآليات إلى مستويين: أحدهما ثقافي وفكري، والآخر عملي تطبيقي وقد انتهينا من الحديث عن المستوى الأول، والآن نتناول الحديث عن المستوى الثاني وهو الجانب العملي التطبيقي، ويجب العمل فيه على القواسم المشتركة والتعاون على استثمار ماهو متاح بالفعل، وهذ يتطلب أن تكون المبادرة من داخل المجتمعات الإسلامية ثم تمتد لتستثمر الطاقات الموجودة بالفعل في مجتمع المهجر وهي طاقات فاعلة ومؤثرة، ويمكن عن طريقها تحقيق الكثير من المكاسب لصالح المشروع الإنسانى في تحقيق العدل والسلام على المستوى الدولى، ويمكن الإشارة هنا إلى مجموعة من الوسائل تكون نواة وأساسا لعمل كبير ينمو فيما بعد، وهذه الوسائل يمكن أن تأخذ مسارين اثنين أحدهما على مستوى الخارج في موطن المهجر، والآخر على مستوى الداخل في الوطن الأم.
على مستوى الخارج:
 لابد من العمل على محور المصلحة المشتركة في حماية الكوكب الأرضي مما يتهدده من تغييرات مناخية نتيجة اختراق طبقة الأوزون، وهو محور يمكن أن تلتقي على أرضيته كل شعوب الكرة الأرضية.
 تكوين هيئة دولية للحوار تكون تابعة لهيئة الأمم المتحدة كهيئة الطاقة الذرية مثلا وتكون مهمتها طرح نظرية تكامل الحضارات،وتقديم المشورة في الأزمات الدولية المحتقنة،كما يمكن الرجوع إليها كهيئة تحكيم لحماية المشروع الإنساني من نزعات المتطرفين وحماية العدل والسلام الدوليين من حماقات عصابات العنف المنظر والمنظم.
 عمل مسح برصد وإحصاء الكفاءات العلمية من المسلمين وغير المسلمين في المواقع المختلفة وذلك بهدف حشد الكفاءات العلمية والمؤثرة في خلق تيار كبير في الشرق والغرب يعمل من أجل الحوار ويكون له من قوة الضغط ما يمكنه من التأثير على مراكز القرار حتى لا تترك الساحة الدولية لدعاة اليمين المتطرف.
 بحث كيفية استثمار وتوظيف تلك القدرات لخدمة قضايا العدل والسلام ونصرة المظلوم بشكل علمي ومدروس.
 تفعيل دور تلك الكفاءات الموجودة في مجتمع المهجر في خلق تصور موحد لكيفية التعامل مع مؤسسات القرار والمؤسسات الوسيطة (المؤسسات الأهلية) وهي مؤسسات لها حضور مؤثر في مجتمع المهجر بما يضمن التفاعل الإيجابي والاندماج الذي يحمى من العزلة النفسية والاجتماعية مع الاحتفاظ بثوابت العقيدة والهوية في تلك المجتمعات.
 تبني خطة عمل مشتركة مع الشخصيات المنصفة ذوى الحيثيات العلمية والإعلامية في الغرب وكذا المؤسسات الإنسانية كمنظمات الحقوق المدنية والمنظمات المماثلة للعمل على تفويت الفرصة على الذين يثيرون روح الكراهية والعنصرية ضد الإسلام والمسلمين وإزكاء نيران العداوة والصدام بين الحضارات.
 تكوين هيئة علمية تكون معنية بشؤون الجاليات المسلمة تضم متخصصين من الداخل والخارج في شؤون الحضارات ممن يجيدون اللغات المختلفة بهدف إيجاد واختيار آليات وأساليب مناسبة للتعامل مع الآخر بعد فهم بواعثه ودوافعه وهضم مفرداته الثقافية، على أن تضع هذه الهيئة خلاصة خبرتها تحت تصرف أي مسئول ليكون على دراية بكل أبعاد الواقع ـ في القضية موضوع البحث أو المناقشة والحوار ـ عندما تقتضي الحاجة ذلك، الأمر الذي يحمي صورتنا في الداخل من الاهتزازات والاضطرابات التى تستغلها بعض الصحف ووسائل الإعلام في الابتزاز واهتزاز مكانة الأزهر الشريف جامعا وجامعة، كما يحمى وجودنا في الخارج من الآثار السلبية لعشوائية التصاريح وتخبط الآراء ومنع البلبلة، ويساعد في الوقت ذاته على خلق أرضية مشتركة لفهم الطرف الآخر ومن ثم القدرة على إقناعه والتفاهم معه.
 بحث كيفية الاستفادة بأصوات المسلمين وغير المسلمين ممن يتبنون نظرية تكامل الحضارات في العمليات الانتخابية المتعددة وبخاصة أن تعدادهم لا يستهان به في ترجيح وتأهيل كفة المعتدلين في الأحزاب المختلفة ، وحرمان المتطرفين من تلك الأصوات حتى لا يتمكنوا من الفوز والتأثير في القرارات المختلفة وتلك فرصة لتأكيد حضور تيار نظرية تكامل الحضارات إذا أحسنا ذلك واستثمرناه كما فعل غيرنا.
 كيفية الاستفادة من مساحة الحرية المتاحة في إزالة الرؤية الضبابية حول القضايا العادلة في الشرق أو في الغرب وذلك بشرح وتوضيح الكثير من الحقائق عن طريق العلاقات الشخصية وكذا بعقد اللقاءات والندوات الثقافية والمحاضرات والمناظرات وغير ذلك وبخاصة وأن بعض الجاليات في مجتمع المهجر لديها الآن نواة إعلامية ممثلة في الجرائد وبعض الإذاعات التي تبث برامجها على مدارالساعة عة وباللغتين العربية والإنجليزية وتلك خطوة على الطريق يجب رعايتها وتنميتها وتعميمها إذا لزم الأمر، ومع أنها قامت بجهود ذاتية إلا أنها أثرت تأثيرا كبيرا في تغيير الصورة وتعديل الكثير من المواقف.
 العمل على وجود روابط وقنوات اتصال وخلق آليات لتنسيق المواقف بين الوجود الإسلامي في الخارج لتوحيد الرؤى حول القضايا المتشابهة وتحديد قائمة بالأولويات المطلوب تحقيقها في الظروف الراهنة.
 كيفية الاستفادة من وجود تيار متنام داخل المجتمعات الغربية يرفض نظرية صراع الحضارات ومن ثم يعادى فكرة الحرب كما يدين مبدأ اللجوء إلى القوة كوسيلة لفض النزاعات ويدعو إلى الوفاق والتعاون بين الأمم والشعوب، ويقر بحق الشعوب المقهورة في الدفاع عن أرضها وحريتها.
 على مستوى الداخل في الوطن الأم.
 تحديد خريطة بالاحتياجات الضرورية والعمل على توفير تلك الاحتياجات في كل بلد على حدة وبخاصة المحاضن الثقافية والتربوية ولو بالدعم المعنوي عن طريق المتابعة وتبادل الخبرات وتقديم الاستشارات والنصح وذلك لضمان تماسك تلك الجاليات عقيدة ولغة وهوية.
 العمل على تكوين هيئات ومؤسسات -وفق قوانين الغرب- تجعل للوجود الإسلامي في المهجر تأثيرا وفاعلية وتدفع بالأمور في الاتجاه الصحيح سياسيا نحو العدالة بدلا من التحيز وبناء المواقف على وجهة نظر أحادية الجانب تفتقد الموضوعية وتعوزها الإحاطة بوجهة نظر الأطراف الأخرى.
 البحث في كيفية خلق الآليات والوسائل المناسبة لربط أبناء الجاليات الإسلامية في الخارج بالمرجعيات الدينية في الوطن الأم بغية توحيد الرؤى حول القضايا الحيوية مما يساعد على تكوين وإيجاد رأى عام ضاغط ومؤثر في اتجاه وحدة المسلمين في الخارج وذلك يساعد في إزالة حالة التصدع واللبس الذي يحدث عادة ويفرق المسلمين ويغتال فرحتهم وبخاصة في المناسبات الدينية كبداية رمضان في كل عام وعند قدوم العيد حيث تتعدد المرجعيات، ومن ثم يصوم أناس ويفطر آخرون.
* * *

نتائج البحث
بناء على ما تقدم يمكن للمتحاورين في الشرق والغرب معا من المثقفين وأهل الأديان ومن يتبنون المشروع الإنسانى في تحقيق العدل والسلام وحماية الكوكب الأرضي أن لتقلوا جميعا على المبادئ التالية :
أولا:طرح نظرية تكامل الحصارات كبديل لنظرية صراع الحضارت
وهذه النظرية تقوم وتؤسس على المحاور التالية :
وحدة النشأة الإنسانية لأتباع الأديان جميعا، كلكم لآدم وآدم من تراب.
 وحدة المصدرفي الرسالات كلها.
فالإلهام في الأديان السماوية متقارب جدا إن لم يكن متحدا. شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.
 بناء على المبدأ السابق فإن القيم المشتركة هنا تخرج من نطاق المحلية أو الخصوصية لكل دين على حدة لتصبح قيما عالمية تسعى لتحقيقها كل المجتمعات الحرة.
 وحدة الغاية والمقصد بين جميع الأنبياء، وهى تحقيق المعرفة بالله وخضوع العباد له.
 من المعروف لدى علماء البيولوجيا أن الطبيعة الاجتماعية والبيولوجية للإنسان تشكل جهازا غاية في الوحدة، ومن ثم فلا فرق بين إنسان وإنسان، بصرف النظر عن البيئة التى نشأ فيها، في الشرق أو الغرب في الشمال أو الجنوب.
 إذا كان الأمر كذلك فمن المهم أن يحدث هذا التقارب على مستوى الأفكار في الإنسان ذاته.
 ثانيا: نظرية تكامل الحضارات بمحاورها السابقة يجب أن تكون إطارا وسقفا أخلاقيا يعمل على تأكيد وحماية المشروع الأنسانى الذى أضحى مهددا، ومن ثم فلابد من بذل كل الجهود وتوفير كل الوسائل لاستمرار الحوار حوله وضمان مردوده وضمان جدواه في الوقت نفسه،ولكى يتحقق ذلك فهنالك نقاط لا بد أن يكون واضحة للجميع وهذه النقاط هي:
 أخطر ما يهدد الإنسان أو الجماعة ويعزلها هو الشعور بالاكتفاء الذاتي فكريا وعدم الرغبة في قراءة الآخر والتعرف عليه، وهو شعور خطير، ومكلف قد يؤدي للتقوقع على الذات، أو للصدام مع الآخر والخروج عليه، ما دام سوء الفهم وسوء الظن هو سيد الموقف.
 تكوين هيئة للحوار تابعة للأمم المتحدة كهيئة الطاقة الذرية تشكل مرجعية لفض المنازعات الدولية والبحث عن حلول عن طريق الحوار في القضايا المتأزمة
 أن الوصول إلى الحقيقة يجب أن يكون هدفا وغاية للمتحاورين بصرف النظر عن الوسائل التى تؤدى إليها.
 يجب أن يلتزم المتحاورون بضوابط الحوار وآدابه.
 ألا يكون في الحوار مناطق مغلقة يصر طرف في الحوار ألا تخضع للبحث والمناقشة وألا يقترب المتحاورون منها.عند اختلاف الأطراف وعدم وصولهم إلى أرضية مشتركة في نقطة ما يجب.أن يكون هنالك معيار ومرجعية يرتضيها الطرفان ويحتكمان إليها.
 الاتفاق على استبعاد كل كلمة تخدش عظمة اللَّّه وجلاله، فالجميع متفقون على أن الله قد أحاط بكل شيء علماً، وأنه لا يُعجزه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض، وأن رحمته وسعت كلَّ شيء، وأنه ليس متصفاً بالنقائص والعيوب التي تشيع بين البشر.
 الاتفاق على أن اللَّه يختار رسله من أهل الصدق والأمانة وأنهم تتوفر فيهم ويجب لهم كل صفات الكمال البشري .
 العمل على استصدار قانون من هيئة الأمم المتحدة يجرم انتهاك حرمة الأديان أو سب الرسل أو الإساءة إليهم بأى نوع من أنواع الإساءة.
 احترام الثوابت بين الأديان كلها والتفريق بين البحث العلمى الرصين الذي يبحث عن الحقائق وبين التهريج باسم الثقافة والإبداع وحرية التعبير.
 الغرب لديه إجماع ثقافى على أن الحرية معنى لا يصلح في الحياة إلا مقيدا، ونحن نوافق على هذا التعريف بعد استبدال وصف التقييد بالتحديد، فنقول " الحرية معنى لا يصلح في الحياة إلا محددا، وفرق بين أن تتحدث عن قيود أو تتحدث عن حدود، فالقيود عوائق للحركة أما الحدود فليست قيودا وإنما هى مساحة للحركة.
 ما اتفق عليه في التراث بين الأديان الثلاثة يعتبر مرجعا ومعيارا نرُدُّ إليه ما اختُلِفَ فيه، وبذلك يمكن وضع قاعدةٍ مشتركةٍ بين الأديان.
 من هذه القاعدة يمكن أن ننطلق، على سبيل المثال لا الحصر، في اتجاه تعميق البحث العلمي في إطار جهود مشتركة للوصول إلى نتائج تدعم أسس التعايش وتبنى جسورا للعلاقات الإنسانية تقوم على العدل والمرحمة وتدعو إلى التعاون على سلامة البيئة ومحاربة الأمراض الخطيرة، وتفكك الأسرة، وانحراف الأطفال، ومقاومة كل الآفات والأوبئة التي تتهدّد سلامة كيان الفرد والجماعة، وتضر بالحياة الإنسانية والقضاء على التفرقة العنصرية، و رفع الظلم عن الشعوب والطوائف والفئات التي تتعرض للاضطهاد، كما تعمل على تواصل الثقافات والحضارات وليس صدامها كما يدعو اليمين المتطرف في الشرق والغرب معا.
* * *

الخاتمة
لانميل أبدا إلى أن نفتح جراحا قديمة، وإن كان نزيف الجراح لم يتوقف، ومؤسسات بحثية وإعلامية في الجانب الآخر تصر إصرارًا عجيبا على اتهام الإسلام واتهام شريعته بما ليس فينا، ومتابعة بسيطة لما يبث من خلال هذه المؤسسات يظهر حجم الهجوم، وإذا كنا لا نعبأ كثيرا لهذا الهجوم لكثرة ما فيه من أباطيل وخلوه من الحقائق، إلا أن ناسا كثيرين ممن لا يعرفون الإسلام ولم تتح لهم فرصة التعرف عليه قد وقعوا ضحايا لتلك الحملات المغرضة، وكانت إصابتهم شديدة وجراحهم غائرة، حتى أضحى من الواجب على كل باحث حر شريف عموما، وعلى المثقفين الشرفاء بوجه خاص، وعلى العلماء الجامعيين والمجمعيين على وجه أخص أن ينصفوا الحقيقة، وأن يشرحوا الملابسات، وأن يعملوا جاهدين على تحصين القارئ ليكون في مأمن من الخيانة الثقافية والاغتيال العقلي الذي كثيرا ما يمارس انطلاقا من أجندة خاصة لبعض فئات التطرف الذين يحرصون دائما على تأزيم المواقف وتخويف الناس وخلق عدو موهوم هنا وهناك وهنالك، لذا فقد آثرت أن أستجيب للرغبة الكريمة، وأن أشارك بالكتابة والحديث في موضوع الحوار مطالبا كل الأطراف أن يتذكر كل طرف فضائل الآخر، ويحرص على استثمارها لكل ما هو صالح وبناء.
إنصافا للحقيقة أولا. وأداء لواجب الإنسانية علينا ثانيا. وحماية لحـق الطرف الآخر في أن يرى حقائق ديننا بغير رتوش ثالثا.
ورابعا. قطعا للطريق على الصغار المهجوسين بالنواقص والمهووسين بالصراع والمسكونين بالأحقاد والعورات عن إثارة العنصرية والكراهية، والحديث عن الضغط والإكراه والطرد والإقصاء.
هذا ما نتمناه وندعو إليه، ونعمل على تحقيقه دائما، ونفتح أيدينا لتصافح كل يد شريفة تمتد بالخير للناس جميعا، كما نفتح صدورنا وقلوبنا للحق والحقيقة مهما كان مصدرها، وشوقنا أن يعيش العالم في سلام، وأن ينعم الناس بالأمن، وأن يرتفع الشعار الحقيقى "المجد لله في الأعالى وفى الناس المسرة، وعلى الأرض السلام. والحمد لله رب العالمين.
* * *

الحوار الخارجي: